> أنقرة «الأيام» العرب:
- الصومال منصة تركية للتوسع عسكريًا وتقنيًا في أفريقيا
ووفق ما نقلته وكالة بلومبرغ الجمعة، تأتي هذه الخطوة في سياق تعزيز الضربات التركية ضد جماعة الشباب، المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي تخوض تمردًا مستمرًا ضد الحكومة الصومالية منذ نحو عقدين.
وأشارت مصادر مطلعة، طلبت عدم الكشف عن هويتها، إلى أن تركيا تمتلك عددًا محدودًا من الطائرات المقاتلة في الصومال، وهو ما يشير إلى أن وجودها العسكري مركز ومحدد، لكنه يملك القدرة على تحقيق تأثير تكتيكي واستراتيجي كبير.
و يكمّل هذا الوجود العمليات التركية التي تعتمد على الطائرات المسيرة، والتي تشن ضربات دقيقة ضد الجماعات المسلحة، ما يعكس تحولًا تركيًا نحو توظيف القوة الجوية بشكل متكامل بين القدرات المأهولة والآلية، بما يعزز القدرة على السيطرة والردع في بيئة عملياتية معقدة.
ويعتبر وجود تركيا في الصومال جزءًا من استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تعزيز نفوذها العسكري والسياسي والاقتصادي في المنطقة. فمقديشو تحتضن أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج حدود البلاد، والتي تمثل مركزًا رئيسيًا لتنسيق العمليات العسكرية، وتدريب القوات الصومالية، وكذلك دعم عمليات مكافحة الإرهاب.
و إضافة إلى ذلك، تعمل أنقرة على إنشاء موقع قريب لاختبار الصواريخ والمكوكات الفضائية، ما يوضح الطموح التركي في بناء قدرات استراتيجية متقدمة خارج الأراضي الوطنية، والتي تشمل تطوير التكنولوجيا العسكرية والفضائية، ومراقبة الأوضاع الإقليمية، وحتى اختبار قدرات الدفاع الصاروخي بعيد المدى.
ويمثل نشر المقاتلات والمروحيات التركية في الصومال خطوة حاسمة لمواجهة جماعة الشباب التي تمثل تهديدًا مستمرًا للحكومة الصومالية، وللأمن الإقليمي والدولي.
وتقوم الجماعة، المرتبطة بتنظيم القاعدة، بشن هجمات متكررة على مقديشو ومناطق أخرى، ما يجعل الاعتماد على الطائرات المأهولة ضروريًا لتنفيذ ضربات مركزة وفعالة ضد مواقعها، خصوصًا في مناطق يصعب الوصول إليها بريًا.
كما أن وجود الطائرات المقاتلة يزيد من قدرة تركيا على الرد السريع على أي تهديدات غير متوقعة، ويعزز من قدرة الحكومة الصومالية على استعادة السيطرة على مناطق النزاع.
ويعكس دمج الطائرات المقاتلة مع الطائرات المسيرة مرونة تكتيكية عالية، إذ يمكن للطائرات المأهولة تنفيذ مهام الاستطلاع والضربات المباشرة، في حين تقوم المسيرات بمراقبة مساحات واسعة وتنفيذ غارات دقيقة على أهداف محددة، مما يقلل من الخطر على القوات التركية ويزيد من فعالية العمليات.
وتتيح هذه الاستراتيجية، بجانب القاعدة التركية في مقديشو، لأنقرة وجودًا دائمًا في قلب العمليات العسكرية، ما يمنحها القدرة على التأثير المباشر في النتائج الميدانية للقتال ضد جماعة الشباب.
ويتيح هذا الانتشار لأنقرة تعزيز نفوذها في الحكومة الصومالية، حيث يمكنها استخدام وجودها العسكري كوسيلة للتأثير في سياسات الدولة، ودعم مشاريعها الاقتصادية والعسكرية، وتوسيع شبكة علاقاتها مع القوى المحلية والإقليمية.
ويمثل الصومال، الذي يواجه تحديات أمنية واقتصادية كبيرة منذ فترة طويلة، بالنسبة لتركيا فرصة لتعزيز حضورها الإقليمي عبر الدبلوماسية العسكرية والتعاون التنموي، بما يخلق لها نفوذًا بعيد المدى في القرن الإفريقي.
ويمتد البعد الاستراتيجي التركي أيضًا إلى الأمن البحري والتقني، حيث يعتبر موقع الصومال عند مفترق طرق بحرية حيويًا لمراقبة حركة السفن والتجارة في خليج عدن والمحيط الهندي، ما يمنح أنقرة قدرة على التأثير في المسارات البحرية الدولية، وحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة.
وإضافة إلى ذلك، يمثل موقع اختبار الصواريخ والمكوكات الفضائية التركي مؤشرًا واضحًا على أن أنقرة تسعى لتطوير قدرات عسكرية متقدمة خارج حدودها، تشمل الرصد الاستراتيجي، والقدرة على استهداف الأهداف بدقة عالية، وحتى تطبيقات فضائية محتملة للأمن والمراقبة.
وتأتي هذه الخطوة في ظل منافسة إقليمية متزايدة، حيث تسعى القوى الدولية والإقليمية لتعزيز نفوذها في القرن الإفريقي، سواء من خلال الدعم العسكري أو الدبلوماسي أو الاقتصادي.
وتسعى تركيا، من خلال هذا التواجد، إلى فرض وجود مؤثر في الصومال والمنطقة ككل، بما يتيح لها القدرة على التفاوض من موقع قوة، ومواجهة أي محاولات لتقليص نفوذها.
كما يعكس هذا التوسع رغبة تركية في تشكيل توازنات جديدة في المنطقة، مع الاعتماد على مزيج من القوة العسكرية، التحالفات السياسية، والتكنولوجيا المتقدمة.
ويمكن اعتبار هذا التحرك جزءًا من سياسة تركية لتعزيز دورها العالمي عبر نشر قواعد عسكرية خارج الحدود، بما يشمل مواقع متعددة في إفريقيا والشرق الأوسط. الصومال، بهذا المعنى، ليس مجرد ساحة لمكافحة الإرهاب، بل يمثل منصة لتوسيع القدرات التركية في المجالات العسكرية، التقنية، والسياسية، بما يتيح لأنقرة النفوذ في مسارات القرار الإقليمي والدولي.
وعلاوة على ذلك، فإن استخدام الطائرات المقاتلة والمروحيات الهجومية يعكس فهمًا تركيًا للتوازن بين القوة التقليدية والقدرات الحديثة، حيث يمكن للطائرات المأهولة أن توفر ردعًا قويًا، بينما تكمل الطائرات المسيرة الضربات الدقيقة، وهو ما يزيد من الضغط على جماعة الشباب ويحد من قدرتها على التحرك بحرية.
ويخلق هذا التكامل بين القدرات الجوية ميزة استراتيجية واضحة لتركيا، ويضع الحكومة الصومالية في موقع أقوى لمواجهة التحديات الأمنية.
ويمثل التحرك التركي في الصومال نموذجًا متكاملًا للسياسة العسكرية الاستراتيجية، التي تجمع بين النفوذ العسكري، الدعم التكنولوجي، والتأثير السياسي.
ويوضح تعزيز القدرات الجوية، مع قاعدة عسكرية كبيرة، وموقع لاختبار الصواريخ والمكوكات الفضائية، أن أنقرة تسعى إلى بناء وجود دائم ومؤثر في القرن الإفريقي، يعزز من مكانتها كفاعل إقليمي ودولي.
كما أن هذه الخطوة تفتح المجال أمام تساؤلات حول ردود فعل القوى الإقليمية والدولية، خصوصًا مع تصاعد النفوذ التركي في منطقة تشهد تنافسًا متزايدًا بين القوى الكبرى والإقليمية.
ويمكن القول إن الانتشار التركي للطائرات المقاتلة والمروحيات في الصومال ليس مجرد دعم عسكري مؤقت، بل يعكس رؤية شاملة طويلة المدى تشمل البُعد العسكري، السياسي، الاقتصادي، والتقني.
وتسعى تركيا بذلك إلى تعزيز نفوذها في منطقة استراتيجية، وتقوية موقعها في الصومال، مع تطوير قدراتها على مراقبة وتحليل التحديات الإقليمية، وتقديم نموذج متكامل لاستراتيجية تعتمد على الوجود العسكري المباشر، القدرات التكنولوجية، والتحالفات السياسية لتحقيق أهدافها الإقليمية والعالمية.



















