تعيش الرقعة الجغرافية المسماة سياسيا بالجمهورية اليمنية منذ عام 2011م حالة متواصلة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، نتيجة لتداعيات الأحداث التي رافقت تلك المرحلة وما أعقبها من صراعات داخلية وتدخلات متعددة. وقد انعكس هذا الوضع على مختلف نواحي الحياة، فأُنهكت مؤسسات الدولة، وتدهور الوضع الاقتصادي، وتفاقمت الأوضاع الإنسانية، وانفجرت الصراعات المسلحة داخليا. مما جعل هذا البلد منذ ذلك الحين وحتى اليوم يمر بمرحلة بالغة التعقيد، تتسم باستمرار الأزمات وتعدد التحديات، مع غياب حلول جذرية تضع حدا لحالة الاضطراب المستمرة.

لم تكن أزمات ما بعد 2011م سوى لحظة انفجار لمسار طويل من التصدعات السياسية التي بدأت منذ انتهاء حرب 1994م، حين فرض نموذج دولة قائم على الغلبة لا على التوافق. ومن هنا، فإن فهم حالة الانهيار الراهنة يقتضي تجاوز الخطاب العاطفي، وفي تناول هذا الموضوع، لا بد أن نبتعد قدر الإمكان عن التشنج، وعن لغة الإملاءات، والارتجال، كما يجب أن نتحرر من النوازع النفسية التي تفرغ النقاش من أي رؤية منطقية أو قراءة سليمة لمسار الأحداث. ما نحتاجه هنا هو نقاش هادئ، عقلاني، يضع الوقائع في سياقها دون تزييف أو مواربة.

ويجب أن نقر بأن الوحدة انتهت، وما هو موجود الآن هو فرض واقع بالقوة. وهذا الواقع حقيقة لا علاقة له بالدولة كتوصيف سياسي وقانوني واجتماعي وتاريخي.

ولا من المنظور الحديث ولا من منظور خلدوني. وإن الوحدة، بوصفها اتفاقا دستوريا وقانونيا بين دولتين، قد انتهت فعليا تحت عربات آلة الحرب في عام 1994م.

ومع ذلك، فإن علي عبد الله صالح استطاع بعد حرب 1994م أن يفرض واقع دولة، وأن ينشئ لها مقومات شكلية ووظيفية، الأمر الذي مكّن هذا الواقع من الاستمرار وفرض هيبته، ولو إلى حد ما. وقد تقبل المجتمع هذا الواقع، حتى وإن وجد رفض له، فقد كان في معظمه رفض غير معلن، أو محدود. وهذه حقيقة لا بد من التسليم بها: صالح فرض واقع الدولة بمزيج من الذكاء والدهاء واستخدام القوة، وهو ما منح هذا الواقع قدرة على الاستمرار لفترة طويلة نسبيا.

لكن السؤال الجوهري هو: ماذا حدث لاحقا؟

مع مرور الوقت، بدأ الفريق المهزوم في حرب 1994م يتخلص من غبار الهزيمة، وكان من الطبيعي أن يفعل ذلك. وفي المقابل، فإن الجماعة التي استخدمها صالح كأداة لتحقيق انتصاره، حاولت بدورها أن تحافظ على ما تبقى لها من كرامة، خاصة بعد أن تم تهميشها، أو على الأقل بعد أن أدركت أن انتصارها لم يترجم إلى مكاسب حقيقية. ومع مرور الزمن، اتضح لها أنها لم تكن سوى أداة استُخدمت في لحظة معينة لتحقيق هدف محدد، ثم جرى التخلي عنها بعد انتهاء الدور.

في الوقت ذاته، اكتسب صالح مزيدا من الخبرة والدهاء السياسي، لكن قوته بدأت تضعف، وخصومه أخذوا في التكاثر. عند هذه النقطة، بدأت مرحلة الرفض والتمرد، والتي تجلت في محورين رئيسيين:

المحور الأول: تمثل في إطار الدولة ككل، وقاد هذا الرفض سياسيا تحالف بدا غريبا في تكوينه وتناقضاته، عرف بـ(اللقاء المشترك). ضم هذا التحالف حزب التجمع اليمني للإصلاح (جماعة الإخوان المسلمين في اليمن)، والحزب الاشتراكي اليمني (ذي النزعة الاشتراكية)، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري (ذو التوجه القومي العربي)، حزب الحق (ذو التوجه الزيدي الشيعي)، حزب البعث العربي الاشتراكي (ذو التوجه البعثي الاشتراكي) وحزب اتحاد القوى الشعبية (ذو التوجه الإسلامي الليبرالي). وجدت هذه الأحزاب نفسها خارج دائرة النفوذ السياسي الحقيقي، وغير مشاركة فعليا في إدارة الدولة، بعد أن تم إقصاؤها تباعا في مراحل سابقة. فقد أُقصي الحزب الاشتراكي عمليا بعد حرب صيف 1994م، وانتهى حضوره في السلطة عقب انتخابات 1997م، ثم لحق به التجمع اليمني للإصلاح بعد انتخابات 2002م. وكان حزب الإصلاح الأكثر حنقًا وعداءً لصالح ولمكونه السياسي، المؤتمر الشعبي العام، الذي استأثر بالسلطة والدولة. ويعود ذلك إلى أن الإصلاح كان يرى نفسه شريكا أساسيا في الواقع الذي فرض بعد حرب 1994م، بحكم مشاركته في إدارة الحرب والمساهمة فيها، وبالتالي اعتبر أن من حقه أن يكون شريكًا في السلطة التي أفرزها ذلك الواقع.

المحور الثاني: تمركز في الجنوب، وهو الطرف الخاسر في حرب صيف 1994م. بدأ هذا الرفض في بداياته كمطالبات حقوقية، نتيجة سياسات الإقصاء والتهميش الواضحة التي انتهجها نظام صالح بحق أبناء المحافظات الجنوبية، التي كانت تشكل جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. تعامل صالح بعقلية المنتصر، الذي يرى من حقه الاستئثار بمقدرات الدولة التي توحّد معها، خصوصا بعد انتصاره على محاولة فك الارتباط وهزيمة القيادات التي قادتها.

ومع تجاهل سلطات صالح لهذه المطالب، أخذ هذا الرفض يتوسع وينمو، ويستقطب أفكارا ورؤى جديدة تبعاً لتنوع المنضوين تحته. ومع مرور الوقت، التحق به من خسروا معركة 1994م، ووجدوا في هذا الحراك وعاء أوليا – إن صح التعبير – لإعادة طرح أفكارهم القديمة، والسعي جماهيريا لإحياء مشروع فك الارتباط عن نظام صالح وسلطة صنعاء.

كما انضم إلى هذا الرفض أيضًا طرف جنوبي آخر، كان قد شارك في الحرب إلى جانب قوات صالح وسلطة صنعاء، لكنه وجد نفسه لاحقا في وضع لم يرقَ إلى ما كان يأمله ضمن واقع الدولة. وبدأ التهميش يطاله هو الآخر، وإن اتخذ أحيانًا صورًا (مهذبة)، إلا أن التهميش، مهما تلطف شكله، يبقى قاسيًّا ومؤلمًا.

ولعل أوضح صور هذا التهميش (المهذب) ما جرى مع عبد ربه منصور هادي. فقواته الجنوبية كان لها دور محوري في الانتصارات التي تحققت خلال حرب صيف 1994م ضد إخوانهم الجنوبيين الذين أعلنوا فك الارتباط. وعُيّن هادي حينها – لغرض الحرب – وزيرًا للدفاع. لكن صالح، في واقع الدولة الذي فرضه بعد الحرب، وضع هادي في منصب نائب الرئيس، وهو منصب لم يكن له وجود في الدستور أو في القوانين النافذة آنذاك، كما أن صالح لم يصدر مرسومًا رسميًّا يثبت هذا التعيين. وقد تناول العديد من القانونيين هذه المسألة بالنقد والتوضيح في الصحف الصادرة في تلك الفترة.

ومن المرجح أن هادي شعر بهذا التهميش المهذب، وحاول لاحقا أن يقتص من صالح بطرق متعددة، بعد أن آلت إليه السلطة إثر المبادرة الخليجية وأحداث عام 2011م التي غادر صالح بموجبها الحكم.

من هذه السردية المقتضبة، يمكن إدراك أن أي حلول تُطرح لمشكلات هذا البلد، دون استحضار هذا المسار التاريخي، ستكون حلولا قاصرة. كما يتضح أن لا خيار حقيقيا أمام هذا البلد سوى العودة إلى ما قبل عام 1990م. فالرجوع إلى ما قبل هذا التاريخ من شأنه أن يحافظ على ما تبقى من ودٍّ مجتمعي بين شعبي الدولتين، وهو ودٌّ لم يتأثر بشكل جذري بالصراعات القائمة، لأنها في جوهرها صراعات سياسية لم تجلب للناس سوى الخسائر. أما الاستمرار في واقع الدولة المفروض بالقوة، فإنه لن يؤدي إلا إلى تبديد هذا الود، وسيسهم – مع دور الإعلام – في تفكيك النسيج الاجتماعي وتمزيق ما تبقى منه.

ولذا فالدور الذي تقوم به المملكة العربية السعودية بوصفها الفاعل الإقليمي الأبرز في هذا الملف يضعها أمام مسؤولية تاريخية تقتضي قراءة القضية من منطلقاتها الواقعية، لا من زوايا مجتزئة أو تصورات ورثها الماضي. فالمواءمة بين المصالح السعودية ومصالح الشعب الجنوبي ليست أمرا متناقضا بطبيعته، بل يمكن أن تشكل مدخلا لاستقرار طويل الأمد إذا ما انبنت على فهم حقيقي لإرادة هذا الشعب وتطلعاته. أما الإصرار على مقاربات تتجاهل هذه الإرادة، أو تنحاز إلى رؤى بعض النخب الشمالية المتنفذة، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة وتعميق هوة الثقة، بما يضر بالجميع دون استثناء.