​لا يولد الانقسام في الساحات العامة، ولا يبدأ من الخطب العالية أو الشعارات الصاخبة، بل يتكوّن بصمت داخل البيوت، في العبارات العابرة التي لا ننتبه لثقلها، وفي الصمت الذي يرافق الأسئلة المحرجة، وفي الخوف الذي نمرره لأطفالنا على أنه حرص. هناك تبدأ أولى ملامح المجتمع الذي سنراه لاحقًا في الشارع.

حين يسمع الطفل حديثًا متكررًا عن “نحن” و“هم”، دون أن يفهم السياق أو الأسباب، لا يتعلم الحذر فقط، بل يتعلم الفرز. وحين يُطلب منه أن يتجنب المختلف قبل أن يلتقيه، لا يكتسب أمانًا، بل يرث خوفًا لم يختره. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الخوف إلى قناعة، وتتحول القناعة إلى موقف، ويصبح الانقسام جزءًا طبيعيًا من رؤيته للعالم.

الأسرة، من حيث لا تقصد، قد تكون أكثر مؤسسات المجتمع تأثيرًا في إعادة إنتاج التوتر الاجتماعي. فهي لا تنقل القيم وحدها، بل تنقل الذاكرة، والذاكرة حين تكون مثقلة بالجراح غير المعالجة، تتحول إلى عدسة مشوشة يرى من خلالها الأبناء كل اختلاف على أنه تهديد. وهكذا، يكبر جيل لا يحمل تجربة شخصية مع الآخر، لكنه يحمل حكمًا جاهزًا عنه.

غير أن الأسرة تمتلك، في الوقت ذاته، فرصة نادرة لا يمتلكها أي إطار آخر: فرصة كسر هذه السلسلة. عبر دروس أخلاقية وتطبيقها بالعمل ومراجعة صادقة للغة اليومية. فاللغة التي نستخدمها داخل البيت تصنع المعنى قبل أن تصنع الموقف. كلمة أقل قسوة، تعليق أكثر إنصافًا، اعتراف بسيط بعدم المعرفة، كلها تفاصيل صغيرة، لكنها قادرة على فتح نافذة في جدار مغلق.

التعايش لا يبدأ حين نطلب من أبنائنا قبول الآخر، بل حين نسمح لأنفسنا بأن نعترف أمامهم بأننا لا نملك كل الإجابات، وأن بعض مخاوفنا ليست حقائق مطلقة، بل روايات موروثة. الطفل الذي يرى والديه يراجعان أفكارهما، يتعلم أن الاختلاف ليس خطرًا، وأن السؤال ليس تهديدًا للهوية. والحوار في المنزل إنما هو تلك المساحة التي تنمو فيها الروح قبل أن يتكون الرأي، فيها يتعلم الإنسان عمق معاني التعايش أي كيف ينظر للآخر، وكيف يفسر الاختلاف، وماذا يرى في التنوع حكمة أم تهديدًا؟

أما الحلول، فليست معقّدة كما نتصور. تبدأ بأن تتحول الأسرة من مساحة تلقين إلى مساحة حوار، حيث يُسمح للطفل أن يسأل دون أن يُقابل بالتهوين أو التخويف. وتستمر بأن يتعلم الأبوان ضبط أحكامهما أمام الأبناء، فلا يتحول الرأي الشخصي إلى حقيقة نهائية. ويُضاف إلى ذلك تشجيع التجربة المباشرة بدل العزل، فمعرفة الناس من خلال التعامل الإنساني اليومي أقوى من أي صورة نمطية متوارثة.

كذلك، يكفي أحيانًا أن يتوقف أحد أفراد الأسرة عند عبارة جارحة، ويعيد صياغتها بلغة أكثر عدلًا، ليحدث فرقًا حقيقيًا. فالتعايش لا يحتاج مواقف كبيرة بقدر ما يحتاج يقظة أخلاقية في التفاصيل الصغيرة.

المجتمع الذي نشتكي من انقسامه اليوم، هو في جوهره مجموع بيوت لم تُتح لها فرصة مراجعة خوفها. وحين تبدأ الأسرة بهذه المراجعة، لا تغيّر أبناءها فقط، بل تضع لبنة صامتة في بناء مجتمع أقل توترًا، وأكثر قدرة على العيش المشترك.

المجتمع الذي يحلم بالتعايش لا يمكنه تجاوز الأسرة، لأن السلام الذي لا يجد له موطئ قدم في البيت، لن يصمد في الشارع. وحين تختار الأسرة أن تكون مكانًا لنمو الروح لا لتكديس الخوف، فإنها تساهم – بهدوء عميق – في صناعة مجتمع أكثر اتساعًا، وأكثر قدرة على أن يرى في التنوع أثرًا من آثار الحكمة، لا سببًا للانقسام.
في الحقيقة ..!!

التعايش ليس موقفًا اجتماعيًا فحسب ولا هو ماركة لمعت من خلال إعلان حكومي، بل حالة روحية تبدأ من الداخل وتنعكس على العالم، نعم هو قرار يومي يُتخذ داخل البيت وعلى الجميع أن يمتلكوا شجاعة تطبيقه..