في جنوبنا المرتبك، لا تبدو التحوّلات مجرّد تغيّرات عابرة في المشهدين السياسي أو العسكري، بل أشبه بزلازل متلاحقة أربكت الاصطفافات، وخلخلت يقينياتٍ ظنّ كثيرون أنها راسخة.
في مثل هذا السياق المضطرب، تصبح الكتابة فعلًا أكثر صعوبة، لكنها في الوقت ذاته أكثر ضرورة. فعندما تتداخل الأدوار، وتتغيّر التحالفات بين ليلة وضحاها، ويُعاد توصيف الحليف والخصم بلغة رمادية، تفقد الشعارات قدرتها على الشرح، وتتراجع التفسيرات السطحية أمام واقع متشابك لا يقبل الاختزال. هنا، لا تعود الكتابة مجرّد نقلٍ للحدث، بل محاولة جادّة لفهم ما وراءه، وتفكيك طلاسم التحوّلات لا تبريرها.
إن ما لخبَط المواقف في الجنوب لم يكن تسارع الأحداث وحده. فالتحركات العسكرية جاءت متداخلة مع حسابات سياسية معقّدة، والتصريحات المتناقضة عمّقت الإرباك بدل أن توضّح الاتجاه. وجد المواطن نفسه أمام مشهد يُعاد ترتيبه دون إعلان قواعده، ودون إجابة صريحة عن غايته النهائية: هل نحن أمام إعادة تموضع مؤقتة، أم تحوّل استراتيجي طويل الأمد؟.
في زمن كهذا، تختبر الكتابة نزاهتها قبل مهارتها. فإغراء الانحياز السريع حاضر، والضغط الشعبي يدفع نحو مواقف حادّة، غير أن الكتابة المسؤولة لا تنجرّ خلف الانفعال. إنها تقف على مسافة واعية من الجميع، لا لتكون حيادًا باردًا، بل عدالةً في قراءة الوقائع، وإدراكًا بأن التحوّلات الصادمة غالبًا ما تُدار في الظل، بينما تُترك نتائجها الثقيلة للناس في العلن.
الجنوب اليوم ليس ساحة صراع فقط، بل ساحة أسئلة مفتوحة؛ أسئلة عن مستقبل القضية الجنوبية، وعن معنى التمثيل السياسي، وعن جدوى الحوار الجنوبي - الجنوبي، وعن مصير القوات المسلحة الجنوبية، وهدف استعادة الدولة. والكتابة التي تتجاهل هذا العمق، أو تكتفي بترديد رواية واحدة، تُسهم في تعمية الوعي بدل إنارته. أما الكتابة التي تحاول الربط بين ما يحدث على الأرض وما يُدار خلف الكواليس، فهي وحدها القادرة على استعادة قدرٍ من الاتزان في فهم المشهد.
في زمن التحوّلات التي أربكت المواقف في الجنوب، تبقى الكتابة اختبارًا للضمير قبل أن تكون أداة للتعبير؛ اختبارًا للقدرة على قول ما يجب قوله، لا ما يُراد له أن يُقال. فالحقيقة في مثل هذه اللحظات قد تكون مُربكة، لكنها تظل أقل كلفة من وهم الخطاب الزائف.



















