​تتشكل أحلاف ومكوّنات وتكتلات عديدة باسم قضايا عامة بعناوين براقة وخطابات واسعة لكنها في واقع الأمر لم تستطع أن تُحدث تغييرًا حقيقيًا في حياة الناس ولا أن تُخفف من أعباء المدينة بل تحوّل كثيرٌ منها – مع الوقت – إلى عبءٍ إضافي على المجتمع يزاحم أبناءه على تمثيلهم ويصادر حقهم في المبادرة ويغلق المساحة أمام الكفاءات المحلية وأمام الفعل المدني الجاد.. في عدن تحديدًا لم تعد المشكلة في غياب الكيانات بل في تضخمها بلا وظيفة وتكاثرها بلا برنامج وتحركها بمنطق الاصطفاف والصراع على المواقع لا بمنطق الحلول.. وهنا يبرز الخلل الأعمق.. محاولة إسقاط نماذج تمثيل اجتماعي لا تنسجم مع طبيعة عدن و تاريخها.. يافع – باحترام تاريخها وأهلها – تمثّلها اليوم مكاتب ومشايخ وواجهات في مناطقها تعبّر عن رأي قبيلة أو نطاق اجتماعي محدّد وهذا منسجم مع طبيعة بنيتها الاجتماعية .. أما عدن فليست امتدادًا لهذا النموذج.. عدن تُعرَف ببيوتها وأحيائها وأهلها وناسها الذين ارتبطوا بها حياةً و هويةً و مصيرًا .

هي مدينة تشكّل فيها الانتماء عبر العمل والتعليم والحي والشارع والميناء والمدرسة لا عبر السلالة ولا عبر الجذر القبلي.. كثير من أبناء عدن اليوم لم تعد لهم صلة عملية بتلك الجذور التي غادروها قبل عقود لأن عدن نفسها صنعت لهم انتماءً مدنيًا جديدًا أوسع من النسب وأعمق من الجغرافيا الأولى.

ولهذا فإن أخطر ما تواجهه عدن اليوم ليس فقط تعدد الأحلاف والمكوّنات بل محاولة تمثيلها بعقلية الأصل والمشيخة والمكتب المناطقي وكأن المدينة يمكن اختزالها في قبيلة أو الحديث باسمها من خارج نسيجها الاجتماعي الحقيقي. لا أتحدث هنا عن يافع أو مكاتبها.. يافع تمثل أيضا تاريخ وموقف. عدن لا تطلب وصاية جديدة ولا تحتاج من يتحدث باسم أصولها بل تحتاج فقط أن تُترك لأبنائها مساحة حقيقية للتحرّك ولإدارة شأن مدينتهم وصياغة حلولهم من واقعهم لا من غرفٍ بعيدة.. عدن ليست قبيلة… بل مدينة ومن لا يفهم هذا الفارق لن يفهم عدن ولن يستطيع أن يمثّلها.