شاءت الأقدار أن تعهد لعبده الجمال مالك جمال قرية ربع الدار بمهمة توفير محتاجات القرية وأهلها والقرى المجاورة بشتى أنواع الغلال من قمح وبر وذرة ودخن وشعير إلخ. تحت شرط إلزامي بأن تكن من إنتاج كل محافظات البلاد دونما تسويف وإخلال بالعدل والقسطاط حتى يطمئن الجميع بأن خبزهم وعجينهم معمول من إنتاج كل المحافظات.

عبده الجمال حصيف عليم بكل الملفات العائدة لإنتاج كل محافظة ونوعية السماد المستخدم لزيادة غلة الفدان علمته أيام عمله في ملاعب ومراقص الثعابين كيف يختار ولمن يعهد له بمهمة تتعلق بالأمن القومي للبلاد قبل الأمن السياسي فتلك لها عسسها منتشرين بكل البقاع لكنه احتار بأمر محافظة مشهورة بمينائها العالمي وثرواتها السمكية لكن لا تنتج أي نوع من الغلال لم يحتر كثيرًا وقرر أن يوفر باسمها غلالا من محافظات جرى اختيارها بعناية لتضخ غلالها وكأنها من منتجات هذه المحافظة وهكذا تغلب على عقبة كأداء وكفى الله المؤمنين شرًّا مستطيرًا كما أنه أبدع وأوفى الكيل والميزان حين قرر أن يضم إلى الركب المحمل بالغلال ثلاث من النياق النادرات من فيلق نياق ملك الحيرة وبغداد كي يكتمل الأمر رفعا لشأن ومكانة بلقيس اليمانية رفيعة المقام.

حاذق عبده الجمال حين عهد إليه بالمهمة لم يتوانى صال وجال وفتش المخازن وكافة محلات ومخازن الغلال بل أكثر من ذلك تفقد ما بداخل صوامع الغلال ليتأكد من خلو أنواعها من أي تسوس أو فد باتت منتهية الصلاحية مع التأكد من أنها ما تزال طرية العود وما مسها بعد لا ضرر ولا علقت بها أي آفات وسيئات خاصة وأن تفاهما قد جرى بين عبده الجمال ومرقص الثعابين بالرغم أنهما من مدرستين مختلفتين لكن لسياسة إطعام البطون ومقتضيات تحقيق الأمن الغذائي والأمن الوطني أحكام كما أن هناك أشياء يقررها في الأول والأخير من يدير الأمر من عل وهو من يوجه وكل الأمور بين يديه خاصة ومفاتيح بيت المال يحركها كما يشاء وأين ومتى وهو من يحدد عدد المكاييل وسعر كل مكيال لكل محافظة ويحدد أيضًا كم مكيال سوف يتم شراؤها من كل صنف ومن كل محافظة حفاظا على وحدة الصف وتحقيقا للحمة التوازن الوطني ولم الشمل حتى لا ينفرط حبل التواصل والوصال وتتفرق أيادي سبأ وحتى لا يشعرنا أي طرف أنه مغبون وأن تجاوزا قد مسه أو مس غلته غبار يغطيها عن الأنظار ساعة الاختيار بالحمولة التي ترفد الوطن بالغذاء ويا لها من حكمة لدى عبده الجمال ويا لها حكمة لدى قرن السلطان الذي علمه البيان وعلمه كذلك كيف يلاعب الثعابين أن تجرأت على مهاجمة مخازن غلال الشعب فعبده الجمال بذكائه الفطري كان يفهمها وهي طائرة ويعرف من أين تؤكل الكتف لذا احتاط لنفسه بمساحة للأمان وبات يعرف كافة ما يدور وله عيون ترصد الميدان وترصد وتتلصص بحذر شديد موعد الإعلان عن العشاء الأخير الذي ستفرش فيه الموائد من كل صنف ومن كل نوع حدوده نوع نوعان ثلاثة أربعة بل لربما أكثر لقد أدرك مبكرًا لعبة توازن الأضداد وسار مع الركب خشية أن يفوته القطار.

كم أنت حكيم يا عبد الجمال قد كان مثلك في سابق العصر والأوان جمال متحذلق أسمته الأيام باجمال لعب على كل الحبال وكثيرًا ما كان يهامس يغامز يساوم ملاعب الثعابين بعقر الدار ثم يرميها مثل معلمه بعد قضاء الحال خارج مملكة السلطان.

عشت يا عبد الجمال ذخرا للمواطن والوطن فهكذا تبنى الأوطان عبر موائد السلطان وتلك ورب العزة حكمة بلاد الحكمة والإيمان

وأزيد الأمر توضيحًا حتى تتضح الصورة بجلاء قد كنت وضمن فلسفة نهجك تتأكد بأن الاختيار يستند لمعايير طاعة ولي الأمر أولا وأن متلازمة إخوان الصفاء والجفاء متوافرة بتلك الأصناف من الغلال التي يتم اختيارها لتكن ضمن قوائم التشريفات عند عرض المائدة على جموع الناس.

لله درك كم أنت حصيفًا بل عبقريًا لا تبارى في نقلات الشطرنج.