ليس في السياسة ما هو أخطر من فكرةٍ تعتقد أنها تملك الحقيقة كاملة.. ثم تمنح نفسها حقَّ فرضها على الناس.. قبل أكثر من قرن لم يكتفِ لينين بإسقاط نظامٍ في بلاده بل نقل الثورة من كونها حدثًا داخليًا إلى كونها مشروع تصدير.
لم تعد روسيا وحدها ساحة التجربة بل صار العالم كله مختبرًا مفتوحًا للفكرة، ومن هنا بدأت القصة، لم تكن البلشفية مجرد حزب بل كانت عقلًا سياسيًا يرى الدولة عقبة والمجتمع مادة خام والاختلاف خطأً يجب تصحيحه بالقوة، وكان شعارها المعلن تحرير الإنسان، أما نتيجتها الواقعية فكانت إخضاعه باسم الفكرة.
اليوم و بعد مرور كل هذه العقود لم تختفِ البلشفية، لقد تغيّر شكلها فقط، نحن نعيش زمن البلشفيين الجدد، لا يرفعون الراية الحمراء ولا يتحدثون عن البروليتاريا ولا يقرؤون ماركس لكنهم يشتركون مع لينين في جوهر واحد.. الاعتقاد بأنهم وحدهم يملكون تعريف الوطن و تعريف الثورة وتعريف الخيانة.
البلشفي الجديد لا يحتاج إلى دبابة يكفيه خطاب، ولا يحتاج إلى لجنة مركزية تكفيه منصة ولا يحتاج إلى جهاز أمن يكفيه جمهور مشحون بالغضب، الآلية هي ذاتها وإن تغيّرت الأدوات ، لينين صدّر الثورة إلى الجغرافيا.
والبلشفيون الجدد يصدّرون الفوضى إلى العقول، في تجربتنا الجنوبية ليست المشكلة في تعدد المشاريع ولا في اختلاف الرؤى فالتعدد في السياسة علامة صحة لا علامة انهيار.
المشكلة تبدأ حين يتحول المشروع السياسي إلى عقيدة مغلقة وحين تتحول القيادة إلى مرجعية مقدسة و حين يُختصر الجنوب في تنظيم أو قضية في جماعة أو تاريخ في أفراد. هنا بالضبط يولد البلشفي الجديد، هو لا يناقش بل يصنّف، ولا يحاور بل يتهم ..ولا يبحث عن حلول بل عن خصوم.
أخطر ما في البلشفية القديمة لم يكن السلاح بل المنطق؛ منطق أن الغاية تبرر الوسيلة ومنطق أن الطريق إلى الخلاص لا يمر إلا من بوابة واحدة ..و هذا هو المرض نفسه الذي يتسلل اليوم إلى بعض خطابنا السياسي في الجنوب حين يصبح النقد خيانة والمراجعة ضعفًا والاختلاف تهديدًا والصمت جريمة.
لينين كان يرى الدولة أداة مؤقتة يجب السيطرة عليها حتى تُلغى، البلشفيون الجدد يرون الدولة عقبة يجب تعطيلها حتى يكتمل نفوذهم، و في الحالتين الضحية واحدة المؤسسة والقانون والناس، الفارق الوحيد أن لينين كان صريحًا مع فكرته.
أما بلشفيّو اليوم فيتخفون خلف عناوين براقة، الإصلاح التصحيح حماية القضية الدفاع عن الثوابت مواجهة المؤامرة كل هذه العناوين يمكن أن تكون مشروعة، لكنها تتحول إلى أدوات قمع سياسي حين تُستخدم لإغلاق المجال العام، لا لتنظيمه.. الخطير في تجربة البلشفيين الجدد أنهم لا يكتفون بتخوين الخصم السياسي بل يسعون إلى تجريده من شرعيته الاجتماعية والأخلاقية.
لا يعود المختلف صاحب رأي بل مشروع تهديد، ولا يعود المنتقد جزءًا من المشهد بل عبئًا يجب التخلص منه.
وهنا تنتقل السياسة من التنافس إلى الإقصاء، ومن الخلاف إلى الكسر ومن المشروع الوطني إلى مشروع السيطرة.
قضية الجنوب التي دفعت أثمانًا باهظة من الدم والمعاناة لا تحتاج إلى نسخة حديثة من عقل لينين، تحتاج إلى عقل دولة، نحتاج إلى منطق يبني المؤسسات بدل أن يستنزفها، وإلى قيادة تحتمل النقد بدل أن تطارده.
وإلى خطاب سياسي يعترف بالخطأ بدل أن يبرره؛ الجنوب لا يُدار بالعقائد بل بالقانون، ولا يُحمى بالهتافات بل بإصلاح الإدارة و بناء الاقتصاد وإعادة الاعتبار للمؤسسة الأمنية والعسكرية وحماية القضاء وضمان الحقوق البلشفي الجديد أخطر من البلشفي القديم؛ لأنه لا يقول لك صراحة سأصادر حريتك ..بل يقول لك سأحميك، ثم يقرر وحده كيف ومتى ومن ممّن؟ لينين صدّر الثورة فدخلت شعوب كثيرة في نفق طويل من الاستبداد باسم التحرر؛ أما نحن فليس مسموحًا لنا أن نصدّر أخطاءنا إلى مستقبل الجنوب المعركة الحقيقية اليوم ليست بين معسكرين، ولا بين شعارات متقابلة؛ بل بين عقلين عقل يرى الجنوب مشروع دولة، وعقل يتعامل معه كغنيمة سياسية.
وهنا فقط يمكن فهم البلشفيين الجدد لا بوصفهم جماعة محددة؛ بل بوصفهم طريقة تفكير، إذا سادت فلن يبقى من القضية سوى اسمها، ولا من الدولة سوى واجهتها.
لم تعد روسيا وحدها ساحة التجربة بل صار العالم كله مختبرًا مفتوحًا للفكرة، ومن هنا بدأت القصة، لم تكن البلشفية مجرد حزب بل كانت عقلًا سياسيًا يرى الدولة عقبة والمجتمع مادة خام والاختلاف خطأً يجب تصحيحه بالقوة، وكان شعارها المعلن تحرير الإنسان، أما نتيجتها الواقعية فكانت إخضاعه باسم الفكرة.
اليوم و بعد مرور كل هذه العقود لم تختفِ البلشفية، لقد تغيّر شكلها فقط، نحن نعيش زمن البلشفيين الجدد، لا يرفعون الراية الحمراء ولا يتحدثون عن البروليتاريا ولا يقرؤون ماركس لكنهم يشتركون مع لينين في جوهر واحد.. الاعتقاد بأنهم وحدهم يملكون تعريف الوطن و تعريف الثورة وتعريف الخيانة.
البلشفي الجديد لا يحتاج إلى دبابة يكفيه خطاب، ولا يحتاج إلى لجنة مركزية تكفيه منصة ولا يحتاج إلى جهاز أمن يكفيه جمهور مشحون بالغضب، الآلية هي ذاتها وإن تغيّرت الأدوات ، لينين صدّر الثورة إلى الجغرافيا.
والبلشفيون الجدد يصدّرون الفوضى إلى العقول، في تجربتنا الجنوبية ليست المشكلة في تعدد المشاريع ولا في اختلاف الرؤى فالتعدد في السياسة علامة صحة لا علامة انهيار.
المشكلة تبدأ حين يتحول المشروع السياسي إلى عقيدة مغلقة وحين تتحول القيادة إلى مرجعية مقدسة و حين يُختصر الجنوب في تنظيم أو قضية في جماعة أو تاريخ في أفراد. هنا بالضبط يولد البلشفي الجديد، هو لا يناقش بل يصنّف، ولا يحاور بل يتهم ..ولا يبحث عن حلول بل عن خصوم.
أخطر ما في البلشفية القديمة لم يكن السلاح بل المنطق؛ منطق أن الغاية تبرر الوسيلة ومنطق أن الطريق إلى الخلاص لا يمر إلا من بوابة واحدة ..و هذا هو المرض نفسه الذي يتسلل اليوم إلى بعض خطابنا السياسي في الجنوب حين يصبح النقد خيانة والمراجعة ضعفًا والاختلاف تهديدًا والصمت جريمة.
لينين كان يرى الدولة أداة مؤقتة يجب السيطرة عليها حتى تُلغى، البلشفيون الجدد يرون الدولة عقبة يجب تعطيلها حتى يكتمل نفوذهم، و في الحالتين الضحية واحدة المؤسسة والقانون والناس، الفارق الوحيد أن لينين كان صريحًا مع فكرته.
أما بلشفيّو اليوم فيتخفون خلف عناوين براقة، الإصلاح التصحيح حماية القضية الدفاع عن الثوابت مواجهة المؤامرة كل هذه العناوين يمكن أن تكون مشروعة، لكنها تتحول إلى أدوات قمع سياسي حين تُستخدم لإغلاق المجال العام، لا لتنظيمه.. الخطير في تجربة البلشفيين الجدد أنهم لا يكتفون بتخوين الخصم السياسي بل يسعون إلى تجريده من شرعيته الاجتماعية والأخلاقية.
لا يعود المختلف صاحب رأي بل مشروع تهديد، ولا يعود المنتقد جزءًا من المشهد بل عبئًا يجب التخلص منه.
وهنا تنتقل السياسة من التنافس إلى الإقصاء، ومن الخلاف إلى الكسر ومن المشروع الوطني إلى مشروع السيطرة.
قضية الجنوب التي دفعت أثمانًا باهظة من الدم والمعاناة لا تحتاج إلى نسخة حديثة من عقل لينين، تحتاج إلى عقل دولة، نحتاج إلى منطق يبني المؤسسات بدل أن يستنزفها، وإلى قيادة تحتمل النقد بدل أن تطارده.
وإلى خطاب سياسي يعترف بالخطأ بدل أن يبرره؛ الجنوب لا يُدار بالعقائد بل بالقانون، ولا يُحمى بالهتافات بل بإصلاح الإدارة و بناء الاقتصاد وإعادة الاعتبار للمؤسسة الأمنية والعسكرية وحماية القضاء وضمان الحقوق البلشفي الجديد أخطر من البلشفي القديم؛ لأنه لا يقول لك صراحة سأصادر حريتك ..بل يقول لك سأحميك، ثم يقرر وحده كيف ومتى ومن ممّن؟ لينين صدّر الثورة فدخلت شعوب كثيرة في نفق طويل من الاستبداد باسم التحرر؛ أما نحن فليس مسموحًا لنا أن نصدّر أخطاءنا إلى مستقبل الجنوب المعركة الحقيقية اليوم ليست بين معسكرين، ولا بين شعارات متقابلة؛ بل بين عقلين عقل يرى الجنوب مشروع دولة، وعقل يتعامل معه كغنيمة سياسية.
وهنا فقط يمكن فهم البلشفيين الجدد لا بوصفهم جماعة محددة؛ بل بوصفهم طريقة تفكير، إذا سادت فلن يبقى من القضية سوى اسمها، ولا من الدولة سوى واجهتها.



















