في حريب، لا تحتاج أن تبحث كثيرًا عن معنى الرجولة أو قيمة الوفاء، فهنا كل شيء يتحدث عن الناس قبل الحجر، وعن المواقف قبل الكلمات، وعن القلوب التي اعتادت أن تعطي دون أن تنتظر مقابلًا.

حريب كما عرفت رجالها الأوائل وشبابها في الحاضر ليست مجرد مدينة على خارطة، بل ذاكرة حية من النخوة، ودفتر مفتوح من القصص التي لا تُكتب غالبًا في الصحف، لأن أبطالها لا يحبون الظهور، ولا يعرفون طريقًا إلى الأضواء، لكنهم يعرفون طريق الخير كما تعرف الأرض طريق المطر.

في المدينة الأزقة القديمة وبين البيوت المتواضعة، تجد رجالًا عاشوا حياتهم وهم يحملون هم الناس، يواسون المكلوم، ويقفون مع الضعيف، ويصلحون ذات البين، ويعتبرون خدمة المجتمع شرفًا لا وظيفة.

كم من رجل في حريب، كان إذا سمع ببيتٍ أصابه الحزن أو الفقر، أو أسرة نزل بها المرض، أو يتيم ضاقت به الدنيا، سارع بما يستطيع، دون أن يذكر اسمه، ودون أن يسجل ذلك في حسابات أو مناسبات، وكأن الخير عنده عادة يومية لا تحتاج إلى إعلان ولو عدت قليلا إلى الوراء لذكرت أسماء رجالا من المدينة لهم في المجد باع يشار إليه.

وفي حريب أيضًا، لا تزال صورة المعلم والمعلمة القدماء حاضرة في الذاكرة، ذلك الذي كان يفتح أبواب المدرسة قبل الفجر، ويغلقها بعد أن يغادر آخر طالب، يعلم الأجيال بإخلاص، ويصنع من الأبناء رجال، ويزرع فيهم الأخلاق قبل العلم.

وفي المساجد زمان كان المؤذن بصوته الصادق يوقظ الأرواح قبل أن يوقظ النائمين، وكان الإمام يجمع الناس على المحبة لا على الخلاف، وكانت حلقات القرآن تصنع جيلًا يعرف الدين سلوكًا وطمأنينة لا مجرد كلمات.

أما الأسواق القديمة في حريب، فقد كانت مدرسة أخرى، فيها يتعلم الناس معنى الكرم والصدق والأمانة، وفيها كان التاجر يحفظ حق الزبون قبل أن يحفظ الربح، ويعتبر آنذاك الغش عارًا لا تجارة.

والأجمل كما عرفت في مدينه حريب أن الخير لا يرتبط باسم شخص واحد، بل هو ثقافة مجتمع، فكل بيتٍ فيها له قصة عطاء، وكل عائله لها رجال اشتهروا بالمواقف لا بالمناصب، وبالعمل لا بالضجيج.

لكن المؤلم أن كثيرًا من هؤلاء الكبار رحلوا بصمت، ولم تكتب عنهم إلا كلمات قليلة، مع أنهم كانوا يستحقون أن تكتب سيرتهم في صفحات الوفاء، لأنهم هم الذين حفظوا روح المدينة، وصنعوا صورتها في قلوب الناس.

إن مدينه حريب في رمضان لا تعرف بكثرة مبانيها، بل تعرف برجالها.

ولا تقاس بتاريخها المكتوب فقط، بل بتاريخها الذي عاشه الناس يومًا بيوم.

وهكذا في رمضان ستظل حريب مدينة لا تلمع بالأضواء، لكنها تلمع بالرجولة.

ولا تصنع المشاهير، بل تصنع الرجال؛ وللحديث بقية.