• مدخل: الحاجة إلى إعادة تعريف منظومة الحكم
في لحظة يمنية تتزاحم فيها الأزمات وتتداخل فيها طبقات الصراع السياسي والعسكري والإداري، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى إعادة بناء منظومة الحكم وتعزيز الكفاءة المؤسساتية بوصفهما المدخل الضروري لاستعادة الدولة ودورها الطبيعي. فالمسألة لم تعد مرتبطة بتعديل وظائف أو استبدال أشخاص، بقدر ما تتعلق بإعادة صياغة الأسس التي يُتخذ القرار من خلالها، وإعادة تعريف علاقة مكوّنات الشرعية ببعضها وبالدولة التي يفترض أن تعبّر عنها.

ومن هنا تكتسب الهندرة أو إعادة الهندسة المؤسسية - تعريب Reengineering - أهميتها كأداة إصلاحية حديثة، لا بوصفها شعارًا إداريًا، بل باعتبارها منهجًا لإعادة تصميم منظومة الحكم جذريًا، وضبط الأدوار والمسؤوليات وآليات اتخاذ القرار. وهي تحوّلٌ من منطق الولاءات وتوازنات النفوذ إلى منطق الكفاءة والانضباط المؤسسي، ومن إدارة صراعٍ مرهق إلى إدارة دولةٍ قادرة على الفعل. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من النصوص، بل من طريقة التفكير التي تنظّم القرار وتُفعّل مؤسسات الحكم.
  • تصويب المفهوم: الشرعية القانونية ليست وصاية
لقد شاعت في الخطاب العام أوهامٌ عن أن اليمن “تحت الفصل السابع” أو “خاضعة لوصاية دولية”، بينما الحقيقة أن قرارات مجلس الأمن - وفي مقدمتها القرار 2216 - استهدفت جماعة الحوثي المتمرّدة، ولم تمسّ الشخصية القانونية للجمهورية اليمنية.

المشكلة ليست في انتقاص السيادة، بل في ضعف الأداء المؤسسي الذي عطّل فاعلية الشرعية. فالهندرة تبدأ من تصويب المفهوم: لا تُستعاد السيادة بالشعارات، بل بالقدرة على بناء مؤسساتٍ تمارس صلاحياتها بكفاءةٍ وشرعية.

ولا يمكن الحديث عن إعادة بناء منظومة الحكم بمعزل عن إسقاط الانقلاب الحوثي وإنهاء مفاعيله العسكرية والسياسية؛ فاستعادة الدولة شرطٌ سابق لأي إصلاح مؤسسي. وإبطال قدرة الميليشيا على تعطيل الممرات البحرية وتهديد باب المندب هو الخطوة الأولى نحو إعادة تموضع الدولة واستعادة قرارها الوطني المستقل.
  • من حكومة الكفاءات إلى كفاءة الحكومة
كثيرًا ما طُرحت في الفترات الانتقالية فكرة “حكومة التكنوقراط” كعلاجٍ للأزمات، لكن التجربة التاريخية تُثبت أن الكفاءة لا تُثمر إلا داخل إطارٍ مؤسسيٍ منضبط. فالدول الديمقراطية الرشيدة لا تُدار بخبراء معزولين ولا بسياسيين بلا كفاءة، بل عبر ما يُعرف بـ حكومة المجلس (Cabinet Government)، حيث يكون رئيس الوزراء “أولًا بين أندادٍ” في فريقٍ سياسيٍ متكافئٍ يخضع للمساءلة أمام البرلمان والإعلام والرأي العام.

الوزير هناك ليس تقنيًا فحسب، بل قائد سياسي مدني يجيد الإدارة والتواصل واتخاذ القرار، بينما يُناط التنفيذ بجهازٍ مدني مهنيٍّ محايد. وهكذا تُقاس كفاءة الحكومة بقدرتها على التوازن بين الرؤية السياسية والإدارة المهنية، لا بعدد الخبراء ولا بحجم الحقائب الوزارية.
  • اتحاديةٌ رشيقة: من الجمود إلى الفاعلية
تحديدُ صلاحياتٍ لا تُبتذَل ولا تُفرَّغ؛ حكومةٌ اتحاديةٌ رشيقة، وأقاليمٌ بسلطاتٍ أصيلة، تُبنى على مبدأ ما يُعرف في أدبيات الإدارة الحديثة بـ «الرشاقة المؤسسية» (Institutional Agility) — أي قدرة مؤسسات الدولة على التكيّف السريع مع المتغيرات دون أن تفقد كفاءتها أو وضوح صلاحياتها.

والرَّشاقة هنا لا تعني الخفّة السطحية، بل البنية المرنة التي تجمع بين الفاعلية والانضباط، وتقلّل من التعقيد البيروقراطي، وتمنح القرار الحكومي سرعة التنفيذ ووضوح المسؤولية. فالدولة الرشيقة ليست دولةً أقل حجمًا فحسب، بل أكثر وعيًا وتنظيمًا، قادرة على المبادرة والتصحيح الذاتي في بيئة متحركة كالبيئة اليمنية.
  • نحو إعادة صياغة منظومة القرار
إعادة الهندسة المؤسسية تستدعي أيضًا إصلاحًا جذريًا في الخدمة المدنية وهيكل اتخاذ القرار، بحيث تُبنى الوظائف على الكفاءة والجدارة لا على الولاءات، ويُعاد تعريف المسؤولية الجماعية داخل مجلس الوزراء. فالرئيس يقود لا يحتكر، والوزير يُسأل لا يُحصّن، والبيروقراطية تُخدِم القرار لا تُعطّله.

إن إعادة بناء منظومة الحكم تعني وضع سلسلة قرار واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وآليات متابعةٍ تضمن أن كل قرارٍ يُترجم إلى نتيجة. فالإدارة الحديثة لا تُقاس بوعودها، بل بقدرتها على التنفيذ والاستجابة.
  • خاتمة: من إدارة الصراع إلى حكم الدولة
إن إعادة بناء منظومة الحكم وتعزيز الكفاءة المؤسساتية ليست ترفًا إداريًا، بل ضرورة وجودية لإنقاذ الدولة من دوامة التنازع والعجز. فالمطلوب اليوم هو عقلٌ مؤسسي يستعيد روح الشراكة الوطنية ويُفعّل مؤسسات الدولة لتكون أداة حكمٍ فعّالة لا ساحة تنازعٍ دائم.

وحين تُبنى منظومة الحكم على الكفاءة لا الولاء، وعلى الانضباط لا المحاصصة، تتحول الشرعية من كيانٍ مرهَق بالصراع إلى مشروع دولةٍ قادرةٍ على استعادة سيادتها وبناء مستقبلها الاتحادي العادل.