في الحياة أمثال تختصر تجارب أجيال، وتضع الحكمة في جملة واحدة. ومن بين هذه الأمثال قولهم زمان.. من نفسه بيد غيره مات مُعذب. وهو مثل شعبي عميق الدلالة، يحذر الإنسان من أن يسلم زمام أمره لغيره، أو أن يجعل ضعفه وسوء تقديره سلاحًا يُستخدم ضده. ولا يقصد المثل الموت الجسدي فحسب، بل يشير إلى كل أشكال الخسارة؛ خسارة الكرامة، أو المكانة، أو الفرص، أو حتى راحة البال. فحين يسمح الإنسان للآخرين بالتحكم في قراراته، أو يستسلم للخوف والكسل والتردد، فإنه يشارك دون أن يدري في صناعة أزمته، كأنه يضع نفسه في يد غيره، ثم يندهش من الألم الذي يصيبه.

هذا المعنى ليس غريبًا عن ثقافتنا، فقد عبر عنه الشاعر العربي.. المتنبي في بيته الشهير.. "ومن يهن يسهل الهوان عليه… ما لجرح بميت إيلام"، فالإنسان إذا اعتاد الاستسلام فقد القدرة على الدفاع عن نفسه وصون كرامته. كما يؤكد المفكر الاجتماعي ابن خلدون في مقدمته أن ضعف الإرادة وفساد العصبية يؤديان إلى سقوط الدول قبل أن تسقطها قوى الخارج. وفي عالم اليوم تتعدد صور هذا المثل في واقع الناس؛ موظف يهمل تطوير مهاراته ثم يلوم سوق العمل، وطالب يفرط في دراسته ثم يتهم الامتحان بالقسوة، ومجتمع يهمل التعليم والعمل والإنتاج ثم يشتكي من التخلف والتبعية. في كل هذه الصور يكون العامل الداخلي هو الشرارة الأولى، حتى وإن حاول البعض إلقاء اللوم على الخارج.

ولعل ما نشهده من تحولات اقتصادية وتقنية متسارعة يؤكد أن من لا يمتلك أدواته المعرفية ولا يصنع قراره بيده، يصبح تابعا في عالم لا يرحم المترددين. ومع ذلك فإن المثل لا يدعو إلى القسوة على النفس، بل إلى الوعي بالمسؤولية، فالإنسان ليس ضحية مطلقة للظروف؛ لديه دائماً مساحة للاختيار ولو كانت ضيقة، ويبدأ التغيير من الاعتراف بالدور الشخصي في الخطأ ثم السعي للإصلاح. ومع الإقرار بأن بعض الناس تفرض عليهم ظروف قاهرة وظلم اجتماعي أو اقتصادي لا يد لهم فيه، إلا أن مساحة القرار الشخصي تظل قائمة، ولو كانت محدودة، وهي التي تصنع الفارق بين الاستسلام ومحاولة النجاة.

إن أقسى أشكال العذاب أن يدرك الإنسان متأخرًا أن ما أصابه كان يمكن تجنبه لو أحسن التقدير. لذلك فإن الحكمة الشعبية تلخص الدرس ببلاغة.. لا تضع نفسك في يد غيرك، ولا تمنح ضعفك فرصة ليتحكم في مصيرك. قالو.. من نفسه بيد غيره مات معذب.. ليس مجرد مثل يقال في لحظة عتاب، بل قاعدة في بناء الشخصية والمجتمع، فالقوة تبدأ من الداخل، والحرية قرار، والكرامة مسؤولية، ومن وعى هذه الحقيقة نجا من عذاب كان يمكن أن يصنعه بيديه.