​وقعت غزوة فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، وكان سببها نقض قريش العهد الذي بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية؛ إذ كانت بنو بكر قد دخلت في حلف قريش، وبنو خزاعة قد دخلت في حلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقاتلت بنو بكر خزاعة وقتلت منهم، حتى ألجأتهم إلى الحرم وقتلتهم فيه، وعاونتها قريش بالسلاح والرجال خفية. فقدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناشده النصر بما بينهم من حلف وإسلام، ذاكرًا ما فعلته بنو بكر وقريش بهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نُصِرْتَ يا عمرو بن سالم»، فما برح حتى مرت عنانة من السماء فرعدت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب».

وعلى إثر ذلك أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش يخيرها بين ثلاث: إما أن يدوا قتلى خزاعة، أو يتبرؤوا من حلف بني بكر، أو ينبذ إليهم على سواء، فاختارت قريش خيار الحرب.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لكأنكم بأبي سفيان قد جاء يقول: جدد العهد وزد في الهدنة، وهو راجع بسخطه»، فكان كما قال.

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالجد والتجهيز للغزو، وأخفى وجهته، وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها». فتجهز الناس.

وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا وأرسله مع امرأة إلى قريش يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم؛ ليكون له يد عند قريش فلا يعتدوا على أهله وولده، إذ لم يكن له في مكة من يمنعهم. فأطلع الله نبيه على ذلك، فأرسل في طلب المرأة والكتاب، وعاتب حاطبًا، فأخبره أنه ما فعل ذلك كفرًا ولا نفاقًا، ولكن خوفًا على أهله. فأراد عمر رضي الله عنه الإذن في قتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».

وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية إلى بطن إضم ليظن الظان أن تلك وجهته، وأمر المسلمين من حول المدينة أن يوافوه في رمضان، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري، وقيل: ابن أم مكتوم.
فخرج النبي صلى الله عليه وسلم متوجهًا إلى مكة، ومعه المهاجرون والأنصار وطوائف من العرب، وقادوا الخيل وامتطوا الإبل، وقدم أمامه الزبير بن العوام في مائتين من المسلمين. ولما بلغ قديدًا عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل. وجاءه أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية فأسلما.

ولما بلغ الكديد أفطر وأمر الناس بالفطر رخصة، وبيّن لهم أن الفطر أقوى لهم.

وخرج أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتلمسون خبر النبي صلى الله عليه وسلم، ففاجأهم جيش المسلمين، فأتى بهم العباس بن عبد المطلب بعد أن أمّن أبا سفيان، فأدخله على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُوقف أبو سفيان على الطريق لتمر به جنود الله فيراها، فكان يسأل كلما مرت به طائفة ويتعجب، حتى مرت به كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار في الحديد، لا يُرى منهم إلا الحدق.

وأمّن النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا، فقال: «من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن»، إلا نفرًا معدودين، منهم عبد الله بن خطل، والحويرث بن نقيذ، وغيرهما. وأمّن عثمان رضي الله عنه عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكان قد ارتد ثم أسلم وحسن إسلامه.

ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا، وكان لواؤه أبيض ورايته «العقاب» سوداء، وأمر أن يكفّوا أيديهم وألا يقاتلوا إلا من قاتلهم.
ونزل بالحجون في قبة ضربت له، واغتسل يوم الفتح وصلى ثماني ركعات.

ثم طاف بالبيت، وطلب مفتاح الكعبة، فدخلها وصلى فيها، وخطب في الناس، وقال: «يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: «فإني أقول كما قال أخي يوسف: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)، اذهبوا فأنتم الطلقاء».

فخرجوا كأنما نُشروا من القبور، ودخلوا في الإسلام.
وردّ النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة، وقال: «خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم».

وأمر بتكسير الأصنام حول الكعبة، وبايع الناس رجالًا ونساءً على الإسلام. وصعد بلال رضي الله عنه فوق الكعبة فأذّن. وأسلم يومئذ جماعة من سادات قريش، منهم: سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وهند بنت عتبة، وغيرهم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا».
وقد تخوّفت الأنصار أن يقيم النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقال لهم مطمئنًا: «المحيا محياكم، والممات مماتكم».