​في يناير 1979، اجتمع قادة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا الغربية في جزيرة غوادلوب الفرنسية، بعيدًا عن شوارع طهران المشتعلة. هناك، في غرفة مغلقة، حُسم عمليًا مصير شاه إيران، حين انتقل النقاش من: كيف نحمي النظام؟ إلى: كيف ندير سقوطه؟.

لم يكن الإيرانيون طرفًا في القرار، ولم يكن العرب أصلًا في المشهد. بعد أسابيع، غادر الشاه، وولدت جمهورية جديدة ستعيد تشكيل أمن الخليج والمشرق لعقود، من دون أن يكون للعرب قول في تصميم اليوم التالي.

اليوم، بعد نحو نصف قرن، يتكرر الجوهر وإن اختلفت التفاصيل. المستشار الألماني يقف في البيت الأبيض ويتحدث صراحة عن ضرورة خطة لليوم التالي في إيران، والرئيس الأميركي يناقش علنًا سيناريو سقوط النظام أو تغيّره، وما الذي يجب فعله بعد ذلك.

لم يعد السؤال الغربي: كيف نعدّل سلوك طهران؟ بل: كيف نتعامل مع إيران ما بعد هذا النظام، إن انهار أو أُسقط أو تبدّل من الداخل؟. مرة أخرى تُفتح غرفة غوادلوب بنسخة واشنطن–برلين، بينما العواصم العربية تتابع عبر الشاشات. هذا المشهد ليس ببعيد عن قمة الأربعة أنفسهم في أكتوبر 2024 في برلين، حيث ناقشوا ترتيبات الأمن من أوكرانيا إلى الخليج، وبالطبع كانت إيران حاضرة.

خطورة اللحظة لا تكمن فقط في هشاشة الوضع الإيراني، بل في أن كل موجة ارتداد محتملة ستضرب أولًا الجوار العربي: الخليج، العراق، سوريا، لبنان، واليمن. أي فوضى في إيران ستعني سلاحًا منفلتًا، وميليشيات عابرة للحدود، وموجات لجوء، واضطرابًا في أسواق الطاقة والممرات البحرية.

ومع ذلك، لا توجد حتى الآن رؤية عربية مكتوبة ومتوافق عليها لأسئلة بالغة البساطة والخطورة: ما هي المصالح العربية الحيوية في إيران ما بعد هذا النظام؟ ما شكل إيران الذي يريده العرب: دولة موحدة طبيعية داخل حدودها، أم كيانًا ضعيفًا محاصرًا، أم تفككًا إلى كيانات مع ما يحمله ذلك من حروب لا تنتهي؟

التجربة المريرة تتكرر؛ سقط نظام صدام، فدُفع العراق والمنطقة إلى فوضى طويلة، بينما صاغ الآخرون التصميم. انفجرت سوريا، فتقاسمتها القوى الإقليمية والدولية، وبقي العرب في موقع رد الفعل.

اليوم، يبدو أن الملف الإيراني يُدفع إلى عتبة لحظة إعادة التصميم، والعرب مهددون بأن يصبحوا مرة أخرى مجرد بيئة متلقية يحسبون خسائرهم نتيجة لآثار قرار اتُّخذ في مكان آخر.

المطلوب ليس خطابًا عاطفيًا، بل قرار استراتيجي: إنشاء غرفة تقدير موقف عربية دائمة للملف الإيراني، ورسم خريطة مصالح وحدود وخطوط حمراء مشتركة، وتجهيز سياسة واضحة للتعامل مع أي سلطة جديدة في طهران، أياً كان شكلها. من لا يشارك في كتابة سيناريو اليوم التالي، سيجد نفسه جزءًا من قائمة ضحاياه.

من غوادلوب 1979 إلى برلين 2024 إلى واشنطن 2026، الدرس واحد: إما أن يصنع العرب السياسة، أو تصنعهم توابع سياسة الآخرين.