​في بلدٍ أنهكته سنوات الصراع وتعبت أرضه من أصوات البنادق، ما زالت هناك قوة هادئة تعمل بصبرٍ عجيب: قوة النساء.

ففي اليمن، حيث تبدو الحياة أحيانًا كأنها معركة طويلة مع الألم، تقف المرأة في الصفوف الأولى لبناء ما تهدم، ليس بالحجارة والإسمنت فقط، بل بالقيم والمعاني والإنسانية.

فالمرأة اليمنية ليست مجرد شاهدة على الأحداث، بل هي صانعة للتوازن في مجتمع يميل أحيانًا إلى الانقسام. هي الأم التي تحمي روح الأسرة من التصدع، والمعلمة التي تزرع في عقول الأطفال بذور التسامح، والناشطة التي تذكر المجتمع بأن السلام ليس حلمًا بعيدًا بل خيارًا يمكن صنعه كل يوم.

إن السلام في اليمن لا يُبنى فقط عبر الاتفاقيات السياسية، بل يبدأ من أماكن أكثر بساطة وعمقًا:
من بيتٍ صغير تُصر فيه أمٌّ على تعليم أبنائها أن الكرامة لا تعني الكراهية، ومن مدرسةٍ تعلم فيها معلمة أطفالها أن الاختلاف لا يعني العداء، ومن مبادرةٍ مجتمعية تقودها امرأة تجمع الناس حول فكرة أن الوطن يتسع للجميع.

لقد أكدت الرؤية الإنسانية المعاصرة، كما عبّرت عنها بيانات عديدة حول مكانة المرأة في العالم، أن تحقيق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل ليس قضية عدالة اجتماعية فحسب، بل شرط أساسي لتحقيق السلام العالمي. فالمجتمع الذي تُحرم فيه نصف طاقاته من المشاركة الكاملة يشبه طائرًا يحاول الطيران بجناح واحد، ولن يتمكن هذا الطائر من التحليق إلا حين يعمل جناحاه معًا في توازن وانسجام.

ومن هنا فإن تمكين المرأة اليمنية ليس مجرد استجابة لمطلب اجتماعي، بل خطوة أساسية في مسار بناء السلام وترميم النسيج الاجتماعي الذي تضرر خلال سنوات الصراع.

لكن الاعتراف بدور المرأة يجب أن يتحول إلى خطوات عملية تعزز مكانتها وتمكنها من أداء رسالتها في المجتمع:

أولاً: الاستثمار في تعليم الفتيات:
فالتعليم هو القوة التي تحرر الطاقات الكامنة، وهو الوسيلة الأهم لتمكين المرأة من المشاركة في بناء مجتمع قائم على المعرفة والعدالة.

ثانيًا: إشراك النساء في مبادرات الحوار وصناعة السلام المجتمعي:
فالنساء يمتلكن قدرة مميزة على تقريب وجهات النظر وإحياء روح التعاون، وهي مهارات يحتاجها المجتمع بشدة في مراحل التعافي بعد النزاعات.

ثالثًا: دعم التمكين الاقتصادي للمرأة:
فتمكين المرأة اقتصاديًا يفتح أمامها أبواب الإبداع والمشاركة في التنمية، ويسهم في استقرار الأسرة والمجتمع.

رابعًا: ترسيخ ثقافة الاحترام والمساواة في المناهج التعليمية والإعلام:
فالقيم التي يتعلمها الأطفال اليوم هي التي ستحدد شكل المجتمع في الغد.

إن اليمن اليوم بحاجة إلى طاقة الأمل بقدر حاجته إلى إعادة الإعمار، وهذه الطاقة تعيش في قلوب كثير من النساء اللواتي ما زلن يؤمنّ بأن الوطن يمكن أن ينهض من جديد، وأن قيم التعاون والرحمة والعدالة يمكن أن تنتصر على الانقسام.

وفي اليوم العالمي للمرأة لعل أجمل رسالة يمكن أن يحملها هذا اليوم هي أن مستقبل اليمن لا يُبنى بجهود نصف المجتمع فقط، فالتقدم الحقيقي يتحقق عندما تعمل طاقات النساء والرجال معًا في انسجام.
فكما أن الطائر لا يستطيع الطيران إلا بجناحين قويين، فإن نهضة المجتمعات لا تتحقق إلا عندما تسير المرأة والرجل جنبًا إلى جنب، «شراكة إنسانية واعية من أجل مجتمع أكثر عدلًا، ومن أجل كوكبٍ سليم يحتضن الجميع بسلام».
ودمتم سالمين.