> «الأيام» غرفة الأخبار:

​قبل 4 أعوام، أنهى الشاب اليمني فخري النمر دراسته الجامعية، ليجد نفسه على رصيف البطالة في ظل سوق عمل مشلول بسبب حرب الحوثي المستمرة منذ عقد.

فخري النمر واحد من آلاف الشباب من خريجي الجامعات الذين لم يجدوا فرص عمل، في ظل تجميد التوظيف وتدهور الأوضاع الاقتصادية جراء الحرب الحوثية.

وهناك نحو 62 جامعة حكومية وخاصة في البلاد، يتخرج منها سنويًا آلاف الطلاب، ليجدوا أنفسهم على رصيف البطالة أو في مهن لا تتناسب مع تخصصاتهم الأكاديمية، كما هو حال فخري النمر.
الكفاءة أول الضحايا

يروي النمر قصته لـ"العين الإخبارية"، قائلاً إنه تخرج قبل 4 أعوام بتخصص التخدير من جامعة خاصة في مجال العلوم الطبية والتطبيقية، لكنه يعمل اليوم في البناء.

ويضيف أنه "عند تخرجه لم يكن يعلم أنه يبدأ مرحلة الاغتراب داخل البلاد، بسبب سوق العمل المشلول، إذ لم تصنع الشهادة الجامعية أي فارق في حياته".

وأوضح: "وجدنا بلدًا تنهشه الحرب الحوثية، ومؤسسات حكومية مشلولة، وقطاعًا خاصًا يصارع للبقاء، في حين تظل فرص العمل القليلة محدودة، وغالبًا ما تكون محجوزة سلفًا خلف جدران المحسوبية، أو تذهب لمن يملك الواسطة، في حين تُعدّ الكفاءة أول الضحايا".

وأكد أنه "مع مرور الوقت تلاشت ملامح الشهادة الجامعية، ووجد نفسه إما أمام الاستسلام للبطالة، أو القبول بأي عمل هامشي يسد رمقه ورمق عائلته".

وأشار إلى أنه "تنقل بين مهن لا تمت لتخصصه بصلة، فقد عمل في البناء، وفي المحلات التجارية، وفي كل مرة كان يخفي غصة في حلقه، بينما يرى سنوات دراسته تتبخر تحت شمس العمل الشاق".

وأضاف أن "الخريج في اليمن لا يكبر في وظيفته، بل يظل يكبر في طوابير البحث عنها، ومع ذلك تتآكل المهارات بمرور السنوات، وتتسع الفجوة بين ما درسه وبين واقع التكنولوجيا المتسارع، في حين يبقى عالقًا في حلقة مفرغة من الأزمات الاقتصادية وانهيار العملة".

كما أشار إلى أن "المعاناة لا تقتصر على الجانب المادي فحسب، وإنما تمتد إلى الضغوط الاجتماعية، حيث تتزايد نظرات العائلة التي كانت تنتظر تخرجه ليكون سندًا لها، ويشتد شعوره بالعجز عن رد الجميل".
  • كوادر في مهب الريح
وبحسب إفادات عدد من خريجي الجامعات اليمنية، فإن "الحرب الحوثية المستمرة منذ عقد أسهمت بشكل مباشر في إضعاف مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على استيعاب الكوادر الشابة في القطاعين العام والخاص".

وأشاروا إلى أن تفاقم معدلات الفقر وتدهور الظروف المعيشية دفعا العديد من الخريجين، بمن فيهم المهندسون والأطباء، إلى الانخراط في أعمال لا تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية، في محاولة لتأمين مصادر دخل تضمن لهم الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

ويقول أكاديميون إن "الجامعيين في اليمن يواجهون أزمات خانقة نتيجة استمرار الحرب الحوثية، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة، وانهيار جودة التعليم، وتراجع مستوى الاعتراف بالشهادات الجامعية".

وأشاروا إلى أن "الطلاب والخريجين يعيشون أوضاعًا نفسية صعبة، تتجلى في انتشار حالات القلق والاكتئاب نتيجة غياب الاستقرار وضبابية المستقبل، خاصة مع تزايد أعداد المهاجرين منهم إلى الخارج".
  • جمود الدورة الوظيفية
في هذا الصدد، يقول أستاذ العلوم الاقتصادية في جامعة تعز اليمنية، د. محمد قحطان، إن "الدولة اليمنية تعيش منذ أكثر من عقد في ظل حرب متواصلة، الأمر الذي أدى إلى انهيار مؤسساتها وتفكك بنيتها".

ويضيف لـ"العين الإخبارية" أن "الدولة لم تعد تقوم بدورها الضامن في الحياة السياسية والتنفيذية، بل تحولت بعض مؤسساتها إلى أدوات جباية، فيما بات التوظيف يتم خارج الأطر الرسمية المعتمدة".

وانعكس ذلك "بشكل مباشر على عمل وزارة الخدمة المدنية وفروعها في المحافظات، حيث جرى تجميد التوظيف، وأصبح دور الوزارة شكليًا يقتصر على مهام يومية تقليدية، في حين انتقلت فرص توظيف الشباب، خصوصًا خريجي الجامعات والمعاهد العليا، إلى التشكيلات العسكرية وبعض قطاعات العمل الخاص".

ووفقًا لقحطان، فإن "تجميد التوظيف في مؤسسات الدولة خلّف آثارًا سلبية واسعة، أبرزها تراجع الولاء والثقة بالدولة، وزيادة هجرة الكفاءات الوطنية إلى الخارج بحثًا عن فرص عمل، إضافة إلى تدهور الأداء المؤسسي والإداري".

وأشار قحطان إلى "تنامي الانحرافات الاجتماعية في أوساط الشباب نتيجة غياب دور الدولة في الرعاية وتوفير فرص العمل، إلى جانب جمود الدورة الوظيفية بسبب توقف الإحالة إلى التقاعد وعمليات الإحلال، وهي مهام أساسية تقع ضمن مسؤوليات الدولة".

وهناك 18 جامعة حكومية في شمال وجنوب اليمن، إضافة إلى 44 جامعة أهلية، غالبيتها شُيّدت بهدف الاستثمار والربح، فيما بلغت نسبة البطالة الإجمالية خلال الحرب الحوثية قرابة 80%، بعد أن كانت 14.6% قبل الانقلاب أواخر عام 2014.

ووفقًا لتقارير محلية، فإن "التعليم الجامعي لم يعد ذا أهمية في حسابات الأسرة اليمنية لحصول أبنائها وبناتها على فرص عمل أفضل، حيث تراجعت قيمة التعليم من أجل العمل بصورة عامة في نفوس الشباب دون سن الـ18، بسبب الارتفاع الحاد في معدلات البطالة".