​في خضم الأحداث الكبيرة التي شهدها الجنوب مؤخرًا والحرائق المشتعلة اليوم من حوله والتي قد تأتي على الأخضر واليابس تنتصب أمامنا جميعًا مسؤولية كبرى في كيفية التعاطي مع هذه المخاطر والخروج الآمن منها.

لا يساورني شك أننا إزاء مسؤولية وطنية عظيمة تقع على عاتق كل مواطن تتقدم فيها النخب السياسية والاجتماعية والدينية لمواجهة هذا التهديد الوجودي لمصير الوطن برمته.

في وضع كهذا، علينا جميعًا أن ننظر إلى ما هو أبعد من مصالحنا الفئوية والحزبية الضيقة لنكون بحجم هذا التحدي. وهذا يعني أن نشد اللحمة الوطنية ونرص الصفوف لتشكيل قوة وطنية صلبة فهي الوحيدة القادرة على التصدي لإنجاز هذه المهمة وتجاوز المحنة.

قد تبدو هذه المقدمة بديهية للكثيرين لكن الحقيقة المرة أن الكثير من أبناء وطني منغمسون في مماحكات ومعارك جانبية تنسيهم المخاطر التي قد تأتي على كل شيء.

وفي الوقت نفسه ليس من السهل أن نرفع شعار الوحدة الوطنية ونحن غارقون في أتون حرب الانقسامات والإخفاقات وأخطرها جميعًا يتمثل في الصراع مع وحش الفقر وغياب أبسط مقومات الخدمات الضرورية للحياة.

كما علمتنا مدرسة الحراك السلمي الجنوبي أننا قادرون على تجاوز محننا, فإن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بانتصارنا على ذواتنا أولًا؛ لنضع أصبعنا على موطن الجرح حتى نتمكن من مداواته. معلوم أن لا أحد يملك العصا السحرية للحل لكن الحوار الوطني الشامل والصادق والصحيح هو الكفيل بإيجاد رؤية ناضجة تحقق لملمة شتاتنا وتهدينا إلى الطريق القويم نحو هدف شعينا الحقيقي.

في الوقت الذي أرى فيه - ويجمع الكثيرون - أن الحوار هو الوسيلة المثلى للبحث عن الحلول,  أرى أيضًا أن الذهاب إلى حوار ناجح يمثل إشكالية بحد ذاتها ليس من السهل حلها, إذ تقف في طريقها عقبات كؤود وصخور متراكمة خلفتها صراعات الماضي ووطدتها في نفوس الكثيرين حتى صارت ثقافة سائدة. وهذا ليس استنتاجًا فحسب بل هو معطى لمسناه في حقبة الحراك وما بعد مرحلة تحرير الجنوب في معارك 2015.

لا شك أن التفاصيل كثيرة لو أردنا الإحاطة بهذه المصاعب والعراقيل التي أعاقتنا من إنجاز مؤتمر وطني جنوبي جامع, لكن يمكن إجمالها فيما نطلق عليه "القبيَلةُ السياسية": التعصب الأعمى للمكون السياسي أو الحزب والقبيلة وحتى الشعار أيضا.

لا يمكننا تجاوز هذه المصاعب إلا بالتخلي الواعي عن طموح السباق والسيطرة والتفرد, لأن تلك الثقافة والسلوك أوصلانا إلى ما نحن عليه اليوم,  وجميعنا ندفع الثمن. فالمرحلة ليست مرحلة تنافس على السلطة بل مرحلة إنقاذ سفينة الوطن بكل ركابها.

شهدنا ازدهار "القبيَلةُ السياسية" في الجنوب من خلال الصراع الصفري بين الأحزاب والأفراد داخل تلك الأحزاب في مضمار السباق على السلطة على حساب الوطن.

مرحلة تميزت بسيادة التحزب الغير واعي والتقديس الأعمى والتبعية والتقليد مع غياب أي برامج تنموية ناجحة تخدم الوطن والمواطن. كما عاصرنا أيضا متغيرات عميقة سقطت معها الأيديولوجيات وانتهت الحرب الباردة ومعها انتهت مبررات وجود الكثير من الأحزاب التي كانت تعتنق هذه الأيديولوجية أو تلك. لكنها ما زالت تتمترس اليوم دون أي مبرر منطقي بل إن البعض يستنسخ نفس الأيديولوجية لعدد من الأحزاب وبنفس الاسم مع تحوير شكلي كالأحزاب القومية واليسارية نموذجًا.

وهذا ليس حصرًا على الأحزاب القومية واليسارية بل إننا شهدنا شيوع هذه الثقافة في مدرسة الحراك السلمي الجنوبي حيث كان يقف خلف بعضها قوى لا تريد للحراك إحراز أي تقدم والبعض الآخر كان نابعًا من أنانية ذاتية خالصة. وكل ذلك قادنا إلى الفشل الذريع والدخول في دوامة نحتاج إلى معجزة للخروج منها.

أمام كل هذا، لا مناص  اليوم من الدعوة إلى حوار وطني جنوبي شامل وحقيقي بعيدا عن السباق والتنافس يفضي إلى قيام جبهة وطنية جنوبية عريضة تقود المسيرة نحو الهدف الأسمى الذي يتطلع إليه شعب الجنوب وقدم من أجله الغالي والنفيس.
*أمين عام التجمع الديمقراطي الجنوبي "تاج"