قبل أيام قليلة شاهدت مقطع فيديو لشخص لم يسبق لي أن سمعت أو قرأت له ولا أعرف حتى اسمه، وأخذ يقدح في الناس من مفردات التكفير السياسي التي عشعشت في أذهان (كتبة) السبعينات وما تلاها حين كانت تسود ثقافة (الإقصاء).

خلال دورات الصراع التي عصفت بالجنوب منذ ما قبل 1967م لم يتم، بعد كل دورة صراع، تقييم ومراجعة الأسباب التي أدت إلى هذا الصراع لمنع تكراره فبدلا من ذلك يتم إطلاق مفردة من مفردات القدح، يسار انتهازي ويمين رجعي وتيار مغامر وسيئو الصيت والسمعة ومرتزقة، ويكتفون بملء الفراغ الذي يتركه الطرف الخاسر بعد إقصائه من الوظيفة أو الوطن أو حتى من الحياة، وكل ذلك يتم باسم (التطهير).

الجنوب اليوم غارق حتى الأذنين في ثقافة إقصاء متبادل، ولكي نكن أمناء مع أنفسنا فإن الطرف المنتصر في 2026م لم يمارس إقصاء عنيف كما كان يحدث في الصراعات السابقة وإن كنا ننكر على السلطات عدم توفير وظائف لكوادر المجلس الانتقالي الجنوبي بوصف هذا حق لهم كأبناء وطن لهم كل الحقوق بغض النظر عن توجهاتهم السياسية وان لا يقتصر الأمر على أفراد الجيش والأمن، بحيث نصنع بذلك سلوك سياسي جديد يتجاوز السلوك الإقصائي ويضعنا على أعتاب نمط جديد من التعايش.

وسائل التواصل نعمة عند العقلاء ونقمة عندما يعج فيها الأغبياء أو المثقلون بالماضي الصراعي، فنحن لا نستطيع الانطلاق إلى المستقبل دون القطيعة مع الماضي، وقد قال كاتب إيطالي، تعليقا على وسائل التواصل، قال (عندما تتواجد في مقهى ويظهر فيه متحدث ثمل سيجد من يسكته أما في وسائل العصر فإنك لا تستطيع إسكات أحد ولا تدري عن محدثك أهو بكامل قواه العقلية أم تحت تأثير مسكر ما).

في أواخر رمصان تمت دعوتي مع زملاء آخرين لفعالية حوارية نسوية لم أتمكن من حضورها لأسباب قاهرة لكني تشرفت بحضور عدة فعاليات نسوية ضمن ضيوف هذه الفعاليات التي تتميز بمناقشة قضايا وطنية تهم كل الناس بغض النظر عن توجهاتهم السياسية، وتخلو هذه الفعليات من النفس الإقصائي أو التخوين والتكفير السياسي الذي يعصف بالمجتمع رغم تنوع انتمائهن السياسي، ولو كان الأمر بيدي لألزمت كل من يحترف العمل السياسي أو العمل العام أن يحصل من المنتديات النسوية على (شهادة حسن سلوك وطني).