قرأت البارحة كتابًا منزلًا عبر الشبكة العنكبوتية من معرض الكتب الرقمية يتناول علم النفس والسلوك، مبرزًا بشكل أساسي "قانون الجهد المعكوس" (The Law of Reverse Effort) كقاعدة تفسيرية مذهلة حسب جيمس وليام فولبرايت ومفادها أن الإصرار المفرط على تحقيق نتيجة ما عبر وسائل قهرية يؤدي حتمًا إلى نتائج عكسية تمامًا.

وإذا ما أسقطنا هذا القانون على الواقع السياسي اليمني، سنجد أن النخب الشمالية، وإعلامها تنطلق من عقلية إعادة اجترار شعار "الوحدة أو الموت"، ووصف الجنوب ونخبه بالانفصال والانفصاليين وهذا ما تجسده بعض قنوات الإصلاح كـ "يمن شباب" و "المهرية" والمئات من مواقع الذباب الإلكتروني وتصر على ممارسة أكبر عملية "طرد سياسي" للجنوب، محولةً الوحدة من مشروع اندماجي إلى كابوس وجودي يستوجب المقاومة.
  • سيكولوجية الإرغام والرفض الوجودي
تعتمد النخب في صنعاء وما حولها على تهييج العاطفة الجمعية تحت شعارات التمسك بالوحدة كـ "قدر محتوم"، وهي بذلك تقع في فخ "الجهد المعكوس". ففي علم الاجتماع السياسي، عندما يُفرض الانتماء بالقوة، يتحول الشعور بالهوية إلى "دفاع عن الذات". إن كل "صرخة" شمالية تنادي بالوحدة القسرية، تقابلها "صرخة" جنوبية أشد قوة تنادي بالاستقلال؛ ليس نكايةً في الوحدة كقيمة، بل رفضًا لآلية "الإلحاق" التي تُلغي الآخر.
  • نماذج تاريخية: حين يهدم"الفرض" البنيان
التاريخ مليء بالأدلة التي تثبت فشل"الجهد المعكوس" في الحفاظ على الدول:

يوغسلافيا السابقة: حاول "ميلوسيفيتش" فرض السيادة الصربية بشعارات قومية متطرفة، فكانت النتيجة تفكك الاتحاد إلى دول مستقلة بعد حروب دامية؛ لأن الجهد القمعي ولّد إرادة انفصالية لا يمكن كسرها.

الاتحاد السوفيتي: حاول"المركز" في موسكو صهر القوميات بالحديد والنار والأيدولوجيا الواحدة، فما إن لاحت أول بارقة ضعف للمركز حتى تسابقت الشعوب نحو تقرير مصيرها، لأن الانتماء لم يكن طوعيًّا بل كان "جهدًا معكوسًا" تراكم لسنوات تحت الرماد.

إثيوبيا وإريتريا: استمرت الحرب عقودًا تحت شعار "وحدة التراب الإثيوبي"، ولم تنتهِ إلا باستقلال إريتريا، بعد أن أدرك الجميع أن تكلفة "فرض الوحدة" أبهظ بكثير من التعايش بين دولتين جارتين.
  • الجنوب من الشراكة إلى المقاومة العقدية
لقد أخطأت النخب الشمالية في حساباتها حين اعتقدت أن "الجهد العسكري" أو "التهييج الإعلامي" وشحن العوام سيُخضع الجنوبيين. الواقع يقول إن هذا الضغط ولّد "مقاومة عقدية" عابرة للأجيال. فالفرد الجنوبي اليوم لا يرى في تلك الشعارات "دعوة للتوحد"، بل يراها "تهديدًا بالاستئصال"، مما يجعل التضحية والاستبسال في فك الارتباط واجبًا أخلاقيًّا ووطنيًّا. عبر عنها شعب الجنوب سلما بمليونياته منذ 2007 وحربا في عام 2015
  • الفاتورة التي ستدفعها "الجارة الكبرى" والمنطقة
إن المراهنة على أدوات سياسية فاشلة (كالعقلية العليمية) ومن لف لفها التي تتبنى هذا "الجهد المعكوس" هي مراهنة خاسرة. فإضعاف الجنوب المستقر أو محاولة تمزيق نسيجه لصالح شعارات وحدوية جوفاء لن يخدم إلا الحوثي والتنظيمات الإرهابية. فالفراغ الذي سيولده "الهدم" لن تملأه "الوحدة"، بل ستملأه الفوضى التي ستتجاوز الحدود لتطال أمن المنطقة بأسرها.

وآخر القول: الوحدة في علم الاجتماع هي "عقد اجتماعي" يقوم على الرضا والمصلحة، وعندما يتحول العقد إلى "قيد"، فإن قانون الجهد المعكوس يتكفل بكسر هذا القيد مهما كانت قوة السجان. على الجارة الكبرى ودول المنطقة إدراك أن "الجنوب القوي والمستقل" هو الضمانة الحقيقية للأمن الإقليمي، أما الاستمرار في دعم شعارات "الوحدة أو الموت" فهو استثمار في "الموت" لا في "الوحدة".