> «الأيام» غرفة الأخبار:

في وادي حضرموت تقف مدينة شبام شاهدةً على واحدة من أجرأ المغامرات المعمارية في تاريخ البشرية، حيث لُقبت ‹مانهاتن الصحراء› فهي ليست مجرد أثر من الماضي، بل هي مختبرٌ حي يقدم حلولاً هندسية وبيئية استبقت عصرنا الحالي بقرون، لكنها اليوم تواجه صراعًا وجوديًّا للبقاء.

ووفقًا لموقع آرتش ديلي «ArchDaily» المتخصص في التراث المعماري، تُصنف اليمن كأحد أبرز النماذج العالمية لظاهرة التوسع العمراني العمودي القديم، حيث شُيدت مدن بأكملها من أبراج طينية شاهقة.

وتبرز شبام في مقدمة هذا النسيج المعماري الفريد، بمبانيها المتراصة والمتعددة الطوابق والمبنية كليًّا من الطوب اللبن، مما يجعلها نموذجًا استثنائيًّا في التكيف مع البيئة الصحراوية وتحديات المساحة.


تُصنف المدينة المسورة كأقدم مدينة عمودية في العالم، إذ ترتفع مجموعتها المتراصة من الأبراج المبنية من الطين فجأة من قلب السهل الصحراوي المحيط بها.

هذا المشهد المهيب دفع المستكشفة البريطانية "فريا ستارك" لإطلاق لقبها الشهير عليها في ثلاثينيات القرن الماضي، لتظل شبام حتى اليوم رمزاً لتطور الفكر الهندسي اليمني وقدرته الفائقة على التكيف مع البيئة. 
  • شبام عبقرية التخطيط
تقع مدينة شبام على مقربة من صحراء الربع الخالي الشاسعة، حيث تطورت تاريخيًّا لتصبح محطة محورية على طرق التجارة التي عبرت جنوب شبه الجزيرة العربية؛ حيث كانت القوافل المحملة بالبخور والتوابل تجوب هضاب المنطقة، مما حول المدينة إلى مركز اقتصادي واستراتيجي مرموق.

ويكشف موقعها الجغرافي عن فهم دقيق لطبيعة المنطقة، إذ شُيدت فوق نتوء صخري يحيط به وادٍ واسع، وهو مجرى نهري جاف معظم أيام السنة لكنه عرضة للفيضانات الموسمية، مما مكن المستوطنة من الاحتماء من السيول مع البقاء على مقربة من الأراضي الزراعية الخصبة.

أما ترتيب الأبراج الطينية فهي على طول شوارع ضيقة وساحات مدمجة داخل أسوار المدينة، وهو تخطيطٌ ذكي سهل عمليات المراقبة ووفر حمايةً قصوى ضد الغزوات المحتملة في منطقة اتسمت تاريخيًّا بالتنافسات القبلية.


ورغم أن التكوين الحضري الحالي للمدينة يعود في معظمه إلى القرن السادس عشر إبان إعادة الإعمار التي تلت فيضان عام 1532 إلا أن أصول المستوطنة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ إلى ما قبل الإسلام، ولا تزال معالم قديمة كالمسجد الجامع والقلعة شاهدةً على ذلك الإرث العريق.

تصل ارتفاعات المنازل البرجية المبنية من الطوب اللبن إلى ثمانية طوابق، بارتفاع يناهز 30 مترًا، وهي تُصنع من خليطٍ بسيط من الطين والماء والقش يُترك ليجف تحت أشعة الشمس.

ويتبع التنظيم الداخلي لهذه الأبراج منطقًا وظيفيًّا واضحًا؛ حيث خُصصت الطوابق الأرضية الخالية من النوافذ لتخزين الحبوب وإيواء المواشي، بينما احتلت أماكن المعيشة الطوابق المتوسطة، وتُوجت الأبراج بطوابق عليا كمتنفس للعائلة.

ومن الناحية الهندسية، تبرز سمة التناقص التدريجي في سماكة الجدران وحجم الطوب مع الارتفاع، مما يمنح المبنى شكلًا شبه منحرف يقلل الوزن الهيكلي ويعزز الاستقرار، في حين وفرت الممرات المرتفعة بين الأبراج طرقًا تاريخية للهروب والارتباط الاجتماعي، ليظل البناء العمودي في شبام رمزًا للمكانة الاقتصادية والسياسية بقدر ما هو حلٌّ عبقري لضيق المساحة. 
  • عمارة الأرض
لطالما ساد انطباع نمطي يختزل الأرض كمادة بناء بدائية أو مؤقتة، إلا أن حواضر تاريخية مثل مدينة شبام حضرموت اليمنيّة تقف شاهدًا حيًّا على دحض هذا التصور، فهي تُثبت أنه حين تقترن المادة المحلية بالمعرفة التقنية والصيانة الدورية، يمكنها تشييد ناطحات سحاب طينية صمدت لقرون أمام اختبار الزمن.

في القرن العشرين، برز المعماري المصري حسن فتحي كأحد أبرز دعاة هذا النهج، متأثرًا بالتقاليد المحلية في ريف مصر والنوبة.

لم ينظر فتحي للطين كمادة رخيصة فحسب بل كفلسفة معمارية تستجيب للظروف المناخية والاجتماعية، معيدًا الاعتبار لتقنيات الطوب اللبن والطين المدكوك لخصائصها الحرارية الفائقة.

اليوم يكتسب هذا النقاش زخمًا متزايدًا مع تفاقم أزمة المناخ حيث بدأ المعماريون المعاصرون بإعادة قراءة الإرث الطيني بعيون حديثة.


وتجسد مشاريع عالمية، مثل المستشفى الذي صممه المعماري رينزو بيانو في أوغندا بجدران من الطين المدكوك، كيف يمكن تطويع الأساليب التقليدية عبر الهندسة المتقدمة لإنشاء مبانٍ كفؤة، منخفضة الكربون، ومنصهرة تمامًا في بيئتها.

وتقدم شبام دروسًا جوهرية للمستقبل، فخلافًا للخرسانة، يتميز الطوب المجفف بالشمس بكتلة حرارية عالية تضمن استقرار درجات الحرارة الداخلية في المناخات القاسية.

كما أن أثره البيئي يكاد ينعدم، إذ يعتمد في إنتاجه على الطاقة الشمسية بدلًا من الحرق، فضلًا عن كونه مادة قابلة لإعادة التدوير بالكامل تعود للطبيعة دون مخلفات.

تجدر الإشارة إلى أن هذا التناغم يمتد ليشمل العلاقة بين المدينة والمحيط، حيث تُستمد مواد البناء من الأراضي الزراعية التي تغذيها الفيضانات الموسمية، مما يخلق نظامًا متكاملًا يربط بين الزراعة والعمارة في دورة حياة مستدامة لا تنتهي. 
  • تراث في خطر
على الرغم من البراعة الهندسية، تواجه مدينة شبام اليوم تحديات وجودية متصاعدة؛ إذ يفرض التغير المناخي تهديدات غير مسبوقة، تجلت بوضوح عام 2008 حين تسبب إعصار استوائي في فيضانات عارمة ألحقت أضرارًا بالغة بأبراج المدينة الشاهقة.

ولم تكن تقلبات الطبيعة وحدها مصدر الخطر، إذ ألقت الحرب الدائرة في اليمن بظلالها القاتمة على المدينة ففي عام 2015، ومع اشتعال النزاع في اليمن، أدرجت منظمة اليونسكو مدينة شبام على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.

ورغم أن وادي حضرموت ظل بمنأى نسبي عن الصدام العسكري المباشر، إلا أن تداعيات الصراع أعاقت جهود الترميم وعطلت برامج الصيانة الدورية التي تعتمد عليها استمرارية هذه الهياكل الطينية.

كما أفرزت التحولات الاقتصادية والاجتماعية أزمة في نقل المعرفة حيث أدى انخفاض قيمة العمل اليدوي إلى عزوف الأجيال الجديدة عن تعلم فنون البناء التقليدية.


وبدون توارث هذه الخبرات المتراكمة عبر القرون، يصبح خطر اندثار التقنيات التي شيدت هذه المعجزة المعمارية حقيقة ماثلة.

وفي مواجهة الأزمات، يبقى من الضروري إدراك أن شبام ليست مجرد أطلال تاريخية، بل هي شهادة حية على قدرة الإنسان على تطويع العمارة والتخطيط الحضري للعيش في أقسى الظروف.

إن هذه الأبراج، التي نبتت من تراب الوادي نفسه، تقدم اليوم درسًا بليغًا في الاستدامة؛ فهي تثبت للعالم أن الفخامة والارتفاع والمتانة ليست حكرًا على الفولاذ والخرسانة، بل هي نتاج حكمة التناغم مع الطبيعة.