​لا شكّ في أن ما تعرّض له الجنوب وجيشه يعدّ أمرًا مؤلمًا ولا يجوز تجاهله أو التعامل معه بوصفه حدثًا عابرًا. فمعالجة تداعياته في السياق السياسي تُعد ضرورةً لا خيارًا غير أن ذلك لا يعني الانكفاء إلى اجترار الألم أو الانشغال الدائم بالاحتجاج والنواح. المطلوب هو استيعاب الآثار والوقوف عند أسباب الانهيارات وعوامل تكرارها دون الارتماء في مستنقع ردود الأفعال.

لقد مرّ الجنوب خلال تاريخه المعاصر بمحطات عنف متعددة تركت ندوبًا عميقة في بنية الوطن بدءًا من أحداث يونيو 1978وصولًا إلى مأساة يناير 1986 ثم كارثة صيف 1994 ومعارك التحرير عام 2015 وانتهاءً بضربة يناير 2026.

وبين كل منعطفٍ وآخر سالت دماءٌ غزيرة و ثمنٌ باهظ لأخطاء وهفوات تراكمت. غير أن ما يجمع تلك المحطات على اختلاف صورها هو الشطط السياسي الذي هيمن على مسارات القرار وجرّ البلاد إلى خيارات قاصرة ومآلات مؤلمة.

ومن المفيد - دونما تطويل - الإقرار بأننا لسنا بحاجة إلى إعادة فتح كل حدث بغية تقليب تفاصيله من أجل محاكمات متأخرة أو تصفية حسابات قديمة. لكن يبقى لوقعة اجتياح صيف 1994 عمقٌ خاص إذ تمثل الجرح الأشد استمرارًا والأكثر كلفةً ولا تزال تداعياتها قائمة لكونها تجسيدًا لصراع تاريخي متكرر ضارب الجذور في عمق المنطقة منذ فترات طويلة تعود لما قبل الإسلام.

كما أن الدماء التي سُفكت خلال معارك التحرير في 2015 وما تزال تُسفك حتى اليوم على طول وعرض الجبهات الفاصلة بين الجنوب والشمال ليست مجرد أحداث متعاقبة بل هي جرحٌ نازف خلفه انهيار الوحدة الوهمية لا ينجو منه طرف دون آخر ولا تقتصر آثاره على الجنوب والشمال فحسب بل تمتد تبعاته إلى شعوب المنطقة على امتداد الجزيرة العربية ولن تخمد نار الصراعات حتى يحضر العقل وتتحقق شروط الاستقرار والتعايش المشترك بين شعوبها.

وفي هذا السياق فإن ما تعرّض له شعب الجنوب من ظلمٍ وسلبٍ لحقوقه بسبب محاولة إعلان الوحدة "العبثية" دون دراسةٍ كافية ودون توافر شروطها ومقوماتها أمرٌ تقره الذاكرة الوطنية. غير أن المسؤولية الأكبر التي قادت الجنوب إلى هذا الجرف العميق لا ينبغي تحميلها جهة دون أخرى بشكل تبسيطي فسنن الانهيار كثيرًا ما تبدأ من الداخل ثم تستدعي عوامل خارجية لتُكمل مشهد التدهور.

لقد كشفت الصراعات التي مزّقت الجنوب عن أثر الشطط السياسي وهيمنة العواطف على القرار والتفرد به فكانت النتيجة التي وصلنا إليها اليوم.

ولتفادي الوقوع في استنزافٍ آخر ينبغي الاعتراف بأن الكوارث حين تقع كثيرًا ما تدفع أطرافًا إلى الغرق في تفاصيلها وإعادة تدوير سردياتها وتبادل الاتهامات بحثًا عن تفسيرٍ للخلاف: من أشعل النيران؟ وكيف اشتعلت؟ وأين كانت البداية؟ لكن هذا النوع من الانشغال لا يطفئ الحريق، بل يمدده، ويؤدي إلى ضياع سنواتٍ كثيرة تتسع معها دائرة الحرائق حتى تمس النسيج الوطني  وتأتي على ما تبقى من الأخضر واليابس.

إن المرحلة الراهنة تفرض على الجميع - وبحكم المسؤولية - أن يستفيق من سكرة الصدمة وألا يُضيّعوا الوقت في معارك جانبية بل أن يواجهوا الواقع كما هو. المطلوب إعادة بناء الموقف السياسي على أساسٍ متحرر من العواطف المتأججة ومن استجابة اللحظة المتسرعة ومن منطق ردة الفعل.

فواجبنا أن نلتفت إلى أنفسنا وإلى ما ينبغي أن نقوم به بعيدًا عن ثقافة التبرير ودوامة البحث الدائم عن أسباب العجز في "الآخر" باعتبار أن المعني الأول والأكثر مسؤولية هم أبناء هذه القضية.

إن استمرار الانغماس في صراعات داخلية وممارسة السياسة على منطق الهيمنة والتسلط والإقصاء والتفرد يؤدي إلى تمزيق الوحدة الوطنية ونخر الجسد السياسي للوطن ثم الانحدار - في النهاية - إلى مستنقع المطامع الخارجية التي تُشيح بوجهها القبيح اليوم ليس في الجنوب وحده بل في أجواء المنطقة كلها.

ومن هنا فإن المطلوب اليوم هو العمل الجاد لما هو أولى وأهم: إعادة بناء الوحدة الوطنية الجنوبية عبر الانخراط المنهجي في التحضير للحوار الوطني الشامل  وصولًا إلى تشكيل جبهة وطنية جنوبية تضم الكل بمختلف المشارب توحد الصفوف وتنسق الجهود.

إن بناء القوة الداخلية هو الشرط الذي يتيح لنا إمكانية الحفاظ على ثوابتنا وقضيتنا ويمكننا من انتزاع الحقوق وحماية الوطن من أي عبث ويمنع انتهاك سيادة الجنوب وحقوق شعبة تحت ضغط الظروف الراهنة.

ويستوجب ذلك - قبل أي إجراء - تحقيق جملة من القيم السياسية الضرورية أبرزها:
  • السمو فوق الجراح.
  • التحرر من ثقافة التخوين والإقصاء والهيمنة والتفرد والشطط.
  • العمل المنهجي الميداني في تنظيم الصفوف وفق رؤية وطنية وعدم الاكتفاء بالفعاليات -على أهميتها - دون برنامج سياسي.
كل هذه عناصر هدّامة تُضعف أي عمل وطني وتُعطّل إمكانية البناء. ومن ثمّ لا مجال في هذه المرحلة للانشغال بالأحاديث والخطابات السياسية التي تكتفي بالشعارات إذ إن الشعارات مهما علا صوتها لا تبني وطنًا ولا تحقق طموحات الناس ولا أمنهم فهي فقط تغرق المجتمع في الوهم بعيدًا عن الفعل المنظم والرؤية الواقعية.
الأمين العام لـ "تاج"