لا شكّ أن الجنوب يمرّ بحالة مخاضٍ عسير عقب أحداث يناير 2026 في حضرموت وماتلتها من اعمال قمع في عدن وحضرموت يضعنا جميعًا- بما في ذلك الرعاة الإقليميين والدوليين - أمام مسؤولية التعاطي الإيجابي مع الغليان الشعبي الجنوبي المتصاعد.

ولا يمكن اختزال ما يجري بما يتمّ تسويقه بأنه مجرد “عواقب” لخطأ منسوب إلى المجلس الانتقالي ورئيسه عيدروس الزبيدي.

الحقيقة تبدو مختلفة: فالإجراءات الملموسة على الأرض التي تنفّذها السلطات الراهنة تمس شعب الجنوب ومصالحة العليا تشير إلى أنها قد تخلّت -عمليًا- عن كثير مما تم الاتفاق عليه خلال السنوات الماضية ضمن إطار سلطة الشراكة التي مثلّت الجنوب والشمال والتي رعتها - بشكل مباشر - تفاهمات التحالف العربي.

إن حدوث مثل هذه الإجراءات المستفزة هو الوقود الذي يشغّل الشارع الجنوبي ويزيده غليانًا ولا يخدم أي طرف إلا الجماعات الحوثية وبعض القوى اليمنية التي تتخادم معها وتضع أيضا العراقيل أمام الدعوة التي أطلقتها السلطة القائمة وبرعاية سعودية للحوار الجنوبي - الجنوبي. ويبدو جليًا أن الدعوة لا تحظى بالجدية المطلوبة خصوصًا عندما تُقابل - على الأرض - بسلوك تصعيدي ينسف روح الحوار قبل أن يجتمع الناس على طاولته.

وبغضّ النظر عمّا جرى في حضرموت من سفك للدماء الجنوبية وما أحدثه ذلك من جرحٍ عميق في الجسد الجنوبي يظل الحوار الوطني الجنوبي هو المدخل الرئيس لمعالجة كل المشاكل العالقة عبر مشاركة شعبية جنوبية واسعة للتعبير عن الرأي وصياغة ملامح مستقبل آمن دون التفافٍ أو استقواء. فمثل هذه الممارسات القمعية لا تؤدي إلا إلى مزيد من توتير الأجواء ودفع الشارع الجنوبي نحو التصعيد واللجوء للمواجهة - كما حدث من قبل سلطات الاحتلال اليمني التي انتهت بها الأمور إلى التفكك والتحلل وسقوط الجمهورية بعد نصف قرن من التضحيات والبناء المتعثر.

إن ما تقوم به السلطات الحالية من قتلٍ للمتظاهرين السلميين واعتقالٍ للنشطاء السياسيين دون أي مسوّغ قانوني أمرٌ لا يمكن القبول به. ولا يَحلّ أي إشكال بل يفتح الباب لمزيد من التصعيد الجماهيري الذي ينذر باندلاع عنف يصعب السيطرة عليه يؤدي إلى زعزعة أمنٍ لم يعرف أساسًا الاستقرار. وسيُدخل الجنوب والمنطقة بأسرها في دوامة فوضى يصعب الفكاك منها.

لقد جرّبت سلطات الاحتلال اليمني السابقة - على مدى عقدين بعد الحرب الطاحنة في صيف 1994 - العنف والقمع وعسكرة المدن وإقصاء الجنوبيين واستبدالهم بمَن قدموا من الهضبة اليمنية مع استخدام بعض الجنوبيين ممن ارتضوا المهانة والتعاون مع سلطات الاحتلال ضد أهلهم ووطنهم. والنتيجة لم تكن إلا سقوط النظام وانهيار مؤسسات الدولة وسقوط الجميع في دوامة الدولة الفاشلة؛ وصار النضال من أجل استعادتها حلمًا بعيد المنال.

ولا يمكن - في المقابل - توجيه اللوم إلى الشارع الغاضب فالغضب ليس ترفًا بل هو نتيجة طبيعية لأخطاء السلطة. وثمة عقلاء كُثر كاتمون لغيظهم يسعون جاهدين للخروج من هذا المأزق عبر التعاطي الإيجابي مع الدعوة للحوار رغم ما فيها من ألم. لكن القمع الذي طاول المظاهرات السلمية واعتقال النشطاء يحبط تلك الجهود ويعطّل أي مسعى نحو عقلنة الشارع والذهاب إلى طاولة الحوار.

لذلك، فإن المخرج لا يكون بالشعارات وحدها بل بقاعدة واضحة: لا حوار دون بيئة آمنة.
بيئة آمنة تعني وقف العنف احترام الحقوق والحريات وإطلاق سراح المعتقلين وكفّ استهداف النشطاء وتهيئة ضمانات تضع الجميع - بدون استقواء - على مسافة واحدة من القانون والسياسة.