إذا كنت لا تعرف«كركر جمل»، فالغالب أنك لم تتذوق بعد نكهة السخرية حين تتحول إلى مرآةٍ أكثر صدقًا من نشرات الأخبار. كان ذلك العمود الأسبوعي للكاتب الصحافي الراحل عبده حسين أحمد في صحيفة«الأيام» مساحةً لقول ما لا يُقال، بأسلوبٍ سهلٍ ممتع.
اليوم هل نكركر الجمل، أم نكركر الدول التي تدخلت في شؤون اليمن، أم نكركر المبعوث الأممي الذي تعاقب مرارًا منذ اندلاع الأزمة؟ سؤالٌ يبدو ساخرًا في ظاهره، لكنه يختزن مرارة واقعٍ يطول.
في الأمس، كانت عبارة«كركر جمل» تكفي لوصف انسداد الأفق. أما اليوم، فقد تعددت المشاهد: «حاكي حجر» و«حاكي فراغ»، والنتيجة واحدة: لا مجيب؛ كأن الصوت يذهب ولا يعود.
في اليمن، لم تعد القضية مجرد مسألة داخلية؛ إذ انخرطت أطراف متعددة في تفاصيلها الدقيقة، من القضايا السياسية إلى الامتدادات المذهبية والمناطقية، وصولًا إلى استدعاء مطباتٍ من التاريخ القديم والحديث. وباتت بعض الأطراف تحفظ خرائط الخلاف أكثر مما ترى ملامح الإنسان، وتقرأ فصول الأزمات أكثر مما تلتفت إلى ما تبقى من محاسن الحضارة.
يتبدل المبعوثون، وتتعاقب الجولات، وتُكتب التقارير ثم تُعاد صياغتها، قبل أن تُحفظ في الأدراج الدولية؛ وكأنها تمارس نوعًا من «الكركرة» الدبلوماسية: ضجيجٌ بلا أثر، وحركةٌ بلا مسار. أما مجلس الأمن، فيواصل نهجه المعتاد: مناقشات، وبيانات قلق، وتعبير عن المواقف، ثم انصراف، دون مقاربةٍ حقيقيةٍ لمكامن الألم أو أسباب استمرار النزيف.
وأمام هذا المشهد المركّب، يقف المواطن اليمني — وهو المفترض أن يكون محور كل هذه التحركات — مراقبًا. ليس عجزًا عن الفهم، بل إرهاقًا من كثرة ما فَهِم: وعودٌ تتكرر، وتأجيلاتٌ تتراكم، وحلولٌ مؤقتة يتجاوز عمرُها عمرَ المشكلات نفسها. حتى صار الأمل نفسه يحتاج إلى موعدٍ مؤجل.
الناس تعبت وهي «تكركر الدول»؛ من تحالفٍ إلى رباعيةٍ إلى «مجتمع دولي» لا تنتهي تسمياته ولا تتبدل نتائجه. كانت القضايا واضحة، بدأت بقضية واحدة، فإذا بها اليوم تتشظى إلى قضايا متعددة، لكلٍ منها مسار، ولكل مسارٍ رواية، وكأن الحقيقة تُقسَّم على طاولات التفاوض.
باختصار، لم نعد أمام أزمة تُدار بقدر ما نحن أمام مسارٍ يُعاد إنتاجه؛ تتغير فيه الوجوه، بينما يبقى النص ثابتًا، وتُعاد الجملة ذاتها بضمائر مختلفة.
ولو أننا «كركرنا الجمل» وشرحنا له قناعتنا بمنح المصالح حقها، لربما استجاب لقضايا اليمن وساهم في إيجاد حلولٍ لها. فحلول الأزمة، في جوهرها، ليست غامضة، لكنها تفتقر إلى إرادةٍ سياسيةٍ جامعة، وإلى شجاعة الاعتراف قبل شجاعة التفاوض.



















