في سكون التأمّل، ومن نافذة روحٍ شابّة تتلمّس المعنى في عالمٍ أثقلته التحوّلات، تتجلّى حقيقةٌ رفيعة: أن الإنسان خُلق ليُنمّي قواه الكامنة، وأن المعرفة هي النور الذي به تُستضاء دروبه، وتسمو به حياته نحو آفاقٍ أرحب من مجرد البقاء. وفي قلب هذا المسار، يقف الطالب، لا كمتلقٍ صامت، بل كروحٍ وُهِبت القدرة على الاكتشاف. هو كأرضٍ خصبة، إن لامستها يد العناية أينعت، وإن تُركت عطشى خبت فيها الحياة. وحين يفقد الطالب شغفه، لا يكون ذلك ضعفًا فيه، بل انعكاسًا لغياب ذلك النور الذي كان ينبغي أن يُوقظ فيه الإحساس بسموّ الغاية.
وفي هذا المشهد، يتجلّى مقام المعلّم، لا بوصفه صاحب مهنة، بل حامل أمانةٍ عظيمة؛ أمانة إيقاظ النفوس وتربية القلوب قبل العقول. إن المعلّم، في جوهره، أشبه ببستاني الأرواح، يرعى نباتاته بعناية، ويغذّي كلًّا منها بحسب حاجته، مدركًا أن لكل نفسٍ طبيعتها، ولكل عقلٍ طريقه نحو النور. فهو لا يزرع المعرفة فحسب، بل يُنميها، ويصونها، حتى تتفتح في حياة الطالب ثمرًا من الفهم والوعي. وحين يُغفل قدر هذا البستاني، أو تُثقل يده حتى تعجز عن العطاء، فإن البستان بأكمله يذبل، وتخفت فيه ألوان الحياة.
أما التعليم، فهو ليس نظامًا جامدًا، بل عمليةٌ حيّة، غايتها ترقية الإنسان، وتنمية قواه الروحية والعقلية ليكون عنصرًا فاعلًا في خدمة العالم من حوله. هو ذلك النسيم الذي يربط بين العطاء والنمو، بين من يُنير الطريق ومن يسير فيه. فإذا ضعُف هذا الرابط، بدا البناء قائمًا، لكنه فقد روحه، وفقدت الحياة فيه توازنها. وفي واقعٍ كاليمن، حيث تتراكم التحديات وتبهت قيمة التعليم في النفوس، يبدو المشهد كأن النور قد حُجب، لا لأنه انطفأ، بل لأن منابعه لم تُصن كما ينبغي.
ومع ذلك، فإن النور لا يزول، بل ينتظر من يُعيد كشفه. فكل روحٍ تُدرك أن رفعة المجتمع تنبع من رفعة أفراده، وأن كرامته تُصان حين يُصان مقام المعلّم، وتُغذّى حين يُبعث الشغف في قلوب الطلبة، تكون قد وضعت حجرًا في بناءٍ جديد. ليس البناء هنا حجارةً تُرصّ، بل إنسانٌ يُربّى، وفكرٌ يُنمى، وروحٌ تُزكّى.
ومن روحٍ شابّةٍ تؤمن بأن النور لا يخبو، يهمس الأمل: أن البداية ليست بعيدة، بل كامنة في كل نفسٍ تؤمن بأن التعليم رسالة، وأن المعلّم نور، وأن الطالب جوهرٌ كريم، كامنٌ في أعماقه بريقٌ لا يُدرك إلا إذا صُقِل بعناية، وأُحيط برعايةٍ تُخرِج كنوزه إلى الوجود. فإذا اجتمعت هذه المعاني من جديد، عاد للحياة توازنها، وعاد للبستان اخضراره، وللنور إشراقه، وللإنسان مكانته التي خُلق ليبلغها.
لم تكن هذه الكلمات وليدة فكرةٍ عابرة، ولا صدى تأمّلٍ منعزل، بل وُلدت من مشهدٍ حيّ، من لحظةٍ شعرتُ فيها أن الأسئلة في داخلي أعمق من أن تُترك في صمتها. في إحدى الجلسات التي حضرتها في الأمم المتحدة، حيث اجتمعت أصواتٌ تتحدّث عن السلام ودور الشعوب في بنائه، لفتني شيءٌ لم يكن في الكلمات، بل في العيون. عيون شبابٍ يمنيين، تحمل في بريقها شيئًا لا يُخطئه القلب: توقٌ صادق، وبحثٌ هادئ عن فرصة.. فرصة للتعلّم، للاندماج، ولإيصال الصوت الذي طال انتظاره.
هناك، لم أرَ مجرد شباب، بل رأيت عقولًا كأنها تقف على حافة الإمكان، تنتظر من يمدّ لها يد العناية. وفي تلك اللحظة، تسلّل إلى داخلي سؤالٌ لم يفارقني منذ ذلك الحين: ماذا لو كانت هذه الفرص، التي تُمنح هنا وهناك، قد وُلدت في أرضهم منذ البداية؟ ماذا لو أن تلك العقول لامست منذ طفولتها رعايةً حقيقية، وتعليمًا يُنميها لا يُقيّدها؟ إلى أين كان يمكن أن يصل هذا الوطن؟ وكيف كان سيبدو وجهه اليوم؟
ثم عادت بي الذاكرة إلى مشهدٍ آخر، أكثر هدوءً، لكنه لا يقل عمقًا. حين التقت والدتي، التي كرّست وقتها يومًا لتعليم الأطفال في جزيرة سقطرى، بأحد طلابها بعد سنوات طويلة. لم يكن اللقاء مخططًا، بل جاء كنسمةٍ تُعيد ترتيب الزمن. ذلك الطفل الذي تعلّم على يديها، أصبح اليوم رجلًا ذا شأن، لكن ما لم يتغيّر هو ذلك الخيط الخفيّ من المحبة والامتنان، وكأن الشرارة الأولى لم تنطفئ، بل بقيت حيّة، تنمو بصمتٍ عبر السنوات.
وهنا، وجدتُ نفسي أقف بين صورتين: صورة طالبٍ نال من العناية ما يُنميه منذ الصغر، فأثمر، وصورة شبابٍ لا يزالون يبحثون عن تلك البداية. والمقارنة ليست للمقارنة بحد ذاتها، بل لتُوقظ سؤالًا أعمق، سؤالًا لا يخصني وحدي، بل يهمس في قلب كل من عرف هذه الأرض، وعاش فيها، وحلم لها: كيف سيكون الغد، إن أُعطيت هذه العقول ما تستحقه من رعاية منذ البداية؟ كيف سيكون شكل الحياة، إن نمت النفوس على قيمٍ تُزكّيها، وتعليمٍ يُوقظ فيها نورها الكامن؟ هل كان يمكن أن تسلك الطرق مسارًا آخر؟ هل كان يمكن أن تُستبدل مساحات الصراع بمساحات فهمٍ وتعاون؟
إن الإنسان، أشبه بمنجمٍ زاخر بالجواهر، لا تُكشف كنوزه إلا بالتربية والعناية. فإن غابت هذه العناية، لم تختفِ الجواهر، بل بقيت كامنة، تنتظر من يكتشفها. وما رأيته في تلك العيون، لم يكن نقصًا في القدرة، بل وفرةً لم تُمنح فرصتها بعد.
وهناك واقعٌ آخر لا يمكن تجاهله، حيث يُوضع بعض الشباب أمام خيارٍ قاسٍ: أن يطلب العلم، أو أن يسعى ليؤمّن قوت يومه. فينحني الحلم أمام الحاجة، ويُؤجَّل النور أمام الضرورة، وليس في ذلك ضعف، بل شهادة على ما يمكن أن يحدث حين لا يُصان حق الإنسان في التعلّم منذ بداياته.
ومن بين هذه التساؤلات، لا أجد جوابًا قاطعًا، بل أجد رجاءً يزداد عمقًا: أن يأتي يومٌ تُفتح فيه الأبواب لكل شاب، وتُمنح فيه كل نفس فرصة أن تُعبّر، وأن تتعلّم، وأن تُسهم. يومٌ تُسمع فيه الأصوات التي سكنت طويلًا خلف جدران الصمت، وتُروى فيه الأحلام التي كادت أن تُنسى.
ولعل هذا السؤال، الذي لم أجد له جوابًا بعد، ليس لي وحدي… بل هو دعوة للتفكّر المشترك: كيف سيكون وجه الغد، إن عاد للمعلّم مقامه الحقيقي، وغُرست في نفوس الأطفال منذ الصغر القيم التي تُزكّيهم، وتُنمي قدراتهم، وتُعينهم على صقل جواهرهم الكامنة، حتى ينشأ جيلٌ لا يبحث عن النور، بل يكون هو النور ذاته.
ودمتم في كنف الله، سالمين مؤيّدين.
وفي هذا المشهد، يتجلّى مقام المعلّم، لا بوصفه صاحب مهنة، بل حامل أمانةٍ عظيمة؛ أمانة إيقاظ النفوس وتربية القلوب قبل العقول. إن المعلّم، في جوهره، أشبه ببستاني الأرواح، يرعى نباتاته بعناية، ويغذّي كلًّا منها بحسب حاجته، مدركًا أن لكل نفسٍ طبيعتها، ولكل عقلٍ طريقه نحو النور. فهو لا يزرع المعرفة فحسب، بل يُنميها، ويصونها، حتى تتفتح في حياة الطالب ثمرًا من الفهم والوعي. وحين يُغفل قدر هذا البستاني، أو تُثقل يده حتى تعجز عن العطاء، فإن البستان بأكمله يذبل، وتخفت فيه ألوان الحياة.
أما التعليم، فهو ليس نظامًا جامدًا، بل عمليةٌ حيّة، غايتها ترقية الإنسان، وتنمية قواه الروحية والعقلية ليكون عنصرًا فاعلًا في خدمة العالم من حوله. هو ذلك النسيم الذي يربط بين العطاء والنمو، بين من يُنير الطريق ومن يسير فيه. فإذا ضعُف هذا الرابط، بدا البناء قائمًا، لكنه فقد روحه، وفقدت الحياة فيه توازنها. وفي واقعٍ كاليمن، حيث تتراكم التحديات وتبهت قيمة التعليم في النفوس، يبدو المشهد كأن النور قد حُجب، لا لأنه انطفأ، بل لأن منابعه لم تُصن كما ينبغي.
ومع ذلك، فإن النور لا يزول، بل ينتظر من يُعيد كشفه. فكل روحٍ تُدرك أن رفعة المجتمع تنبع من رفعة أفراده، وأن كرامته تُصان حين يُصان مقام المعلّم، وتُغذّى حين يُبعث الشغف في قلوب الطلبة، تكون قد وضعت حجرًا في بناءٍ جديد. ليس البناء هنا حجارةً تُرصّ، بل إنسانٌ يُربّى، وفكرٌ يُنمى، وروحٌ تُزكّى.
ومن روحٍ شابّةٍ تؤمن بأن النور لا يخبو، يهمس الأمل: أن البداية ليست بعيدة، بل كامنة في كل نفسٍ تؤمن بأن التعليم رسالة، وأن المعلّم نور، وأن الطالب جوهرٌ كريم، كامنٌ في أعماقه بريقٌ لا يُدرك إلا إذا صُقِل بعناية، وأُحيط برعايةٍ تُخرِج كنوزه إلى الوجود. فإذا اجتمعت هذه المعاني من جديد، عاد للحياة توازنها، وعاد للبستان اخضراره، وللنور إشراقه، وللإنسان مكانته التي خُلق ليبلغها.
لم تكن هذه الكلمات وليدة فكرةٍ عابرة، ولا صدى تأمّلٍ منعزل، بل وُلدت من مشهدٍ حيّ، من لحظةٍ شعرتُ فيها أن الأسئلة في داخلي أعمق من أن تُترك في صمتها. في إحدى الجلسات التي حضرتها في الأمم المتحدة، حيث اجتمعت أصواتٌ تتحدّث عن السلام ودور الشعوب في بنائه، لفتني شيءٌ لم يكن في الكلمات، بل في العيون. عيون شبابٍ يمنيين، تحمل في بريقها شيئًا لا يُخطئه القلب: توقٌ صادق، وبحثٌ هادئ عن فرصة.. فرصة للتعلّم، للاندماج، ولإيصال الصوت الذي طال انتظاره.
هناك، لم أرَ مجرد شباب، بل رأيت عقولًا كأنها تقف على حافة الإمكان، تنتظر من يمدّ لها يد العناية. وفي تلك اللحظة، تسلّل إلى داخلي سؤالٌ لم يفارقني منذ ذلك الحين: ماذا لو كانت هذه الفرص، التي تُمنح هنا وهناك، قد وُلدت في أرضهم منذ البداية؟ ماذا لو أن تلك العقول لامست منذ طفولتها رعايةً حقيقية، وتعليمًا يُنميها لا يُقيّدها؟ إلى أين كان يمكن أن يصل هذا الوطن؟ وكيف كان سيبدو وجهه اليوم؟
ثم عادت بي الذاكرة إلى مشهدٍ آخر، أكثر هدوءً، لكنه لا يقل عمقًا. حين التقت والدتي، التي كرّست وقتها يومًا لتعليم الأطفال في جزيرة سقطرى، بأحد طلابها بعد سنوات طويلة. لم يكن اللقاء مخططًا، بل جاء كنسمةٍ تُعيد ترتيب الزمن. ذلك الطفل الذي تعلّم على يديها، أصبح اليوم رجلًا ذا شأن، لكن ما لم يتغيّر هو ذلك الخيط الخفيّ من المحبة والامتنان، وكأن الشرارة الأولى لم تنطفئ، بل بقيت حيّة، تنمو بصمتٍ عبر السنوات.
وهنا، وجدتُ نفسي أقف بين صورتين: صورة طالبٍ نال من العناية ما يُنميه منذ الصغر، فأثمر، وصورة شبابٍ لا يزالون يبحثون عن تلك البداية. والمقارنة ليست للمقارنة بحد ذاتها، بل لتُوقظ سؤالًا أعمق، سؤالًا لا يخصني وحدي، بل يهمس في قلب كل من عرف هذه الأرض، وعاش فيها، وحلم لها: كيف سيكون الغد، إن أُعطيت هذه العقول ما تستحقه من رعاية منذ البداية؟ كيف سيكون شكل الحياة، إن نمت النفوس على قيمٍ تُزكّيها، وتعليمٍ يُوقظ فيها نورها الكامن؟ هل كان يمكن أن تسلك الطرق مسارًا آخر؟ هل كان يمكن أن تُستبدل مساحات الصراع بمساحات فهمٍ وتعاون؟
إن الإنسان، أشبه بمنجمٍ زاخر بالجواهر، لا تُكشف كنوزه إلا بالتربية والعناية. فإن غابت هذه العناية، لم تختفِ الجواهر، بل بقيت كامنة، تنتظر من يكتشفها. وما رأيته في تلك العيون، لم يكن نقصًا في القدرة، بل وفرةً لم تُمنح فرصتها بعد.
وهناك واقعٌ آخر لا يمكن تجاهله، حيث يُوضع بعض الشباب أمام خيارٍ قاسٍ: أن يطلب العلم، أو أن يسعى ليؤمّن قوت يومه. فينحني الحلم أمام الحاجة، ويُؤجَّل النور أمام الضرورة، وليس في ذلك ضعف، بل شهادة على ما يمكن أن يحدث حين لا يُصان حق الإنسان في التعلّم منذ بداياته.
ومن بين هذه التساؤلات، لا أجد جوابًا قاطعًا، بل أجد رجاءً يزداد عمقًا: أن يأتي يومٌ تُفتح فيه الأبواب لكل شاب، وتُمنح فيه كل نفس فرصة أن تُعبّر، وأن تتعلّم، وأن تُسهم. يومٌ تُسمع فيه الأصوات التي سكنت طويلًا خلف جدران الصمت، وتُروى فيه الأحلام التي كادت أن تُنسى.
ولعل هذا السؤال، الذي لم أجد له جوابًا بعد، ليس لي وحدي… بل هو دعوة للتفكّر المشترك: كيف سيكون وجه الغد، إن عاد للمعلّم مقامه الحقيقي، وغُرست في نفوس الأطفال منذ الصغر القيم التي تُزكّيهم، وتُنمي قدراتهم، وتُعينهم على صقل جواهرهم الكامنة، حتى ينشأ جيلٌ لا يبحث عن النور، بل يكون هو النور ذاته.
ودمتم في كنف الله، سالمين مؤيّدين.















