​في واحدة من أكثر الجمل صدقًا وبساطة، قال وزير الكهرباء والطاقة: (لا توجد شمس في الليل)، في لقاء واضح مع صحيفة «الأيام». جملة بديهية لدرجة أنك قد تبتسم لها، ثم تتذكر حرارة الصيف القادمة وساعات الانطفاء، فتدرك أنها ليست نكتة، بل ملخص أزمة كاملة.

الحكاية ليست مفاجأة، ولا عطلًا طارئًا. ما يحدث اليوم يشبه طالبًا أهمل دروسه طوال العام، ثم استغرب صعوبة الامتحان. الاستهلاك يرتفع، والحرارة تشتد، والطلب يقفز، بينما التوليد يكتفي بالمشاهدة من بعيد. والنتيجة؟ الكهرباء تلعب معنا لعبة “ساعة لك وسبع ساعات عليك”… وأحيانًا دون الساعة.

الوزير كان واضحًا: المشكلة ليست فقط في الوقود أو المولدات، بل في أشياء أكثر شررًا من الكهرباء نفسها… مثل القرارات التي تتأخر، والميزانيات التي في الطريق، والصيانة التي تعرف الطريق لكنها لا تصل، وفواتير المسؤولين الكبيرة التي لا تُدفع. تخيّل أن لديك سيارة تحتاج إلى صيانة منذ أشهر، وكل يوم تقول: (بكرة)… ثم تستغرب لماذا توقفت في منتصف الطريق!

المواطن أيضًا له بصمته “المضيئة”… أو المطفأة. هناك من يتعامل مع الكهرباء كأنها هواء مجاني: مكيف يعمل، ولمبات مضاءة، والبيت خالٍ! وفوق ذلك، ربط عشوائي من هنا وهناك، حتى أصبحت الشبكة مثل"وصلة كهرباء جماعية" في حارة شعبية. النتيجة؟ فاقد هائل، وكأن نصف الكهرباء يذهب في إجازة دون إذن.

المفارقة الجميلة (أو المؤلمة) التي لخصها الوزير، أن العجز في القدرة التوليدية للمحافظات الجنوبية السبع هو ضعف القدرة التوليدية الحالية، مع فقدٍ كبيرٍ في ما يُولَّد.

أما الحل السحري الذي نسمع عنه كثيرًا فهو الطاقة الشمسية. فكرة رائعة، والشمس في بلادنا كريمة لا تبخل. لكن، وكما قال الوزير ببساطة قاتلة: (لا توجد شمس في الليل). أي باختصار: نعم، لدينا شمس، لكننا نحتاج "ذاكرة" تخزنها لليل، اسمها البطاريات. بدونها، تعمل الشمس بدوام صباحي فقط.

ثم هناك حلول أخرى: عدادات مسبقة الدفع (ادفع أولًا ثم استمتع)، إشراك القطاع الخاص، إعادة تسعير الكهرباء بحيث لا يتساوى الحلاق مع المول، ومحاولات لضبط الفوضى في الشبكة. كلها خطوات جيدة؛ لكنها تحتاج إلى شيء بسيط جدًا: أن تُنفَّذ.

الدعم الخارجي موجود، ومهم، بل ومنقذ أحيانًا. لكنه يشبه صديقًا يسلفك كل شهر، لا يمكن أن تعيش حياتك كلها على هذا الأساس. في النهاية، يجب أن يكون لديك راتبك الخاص، أو في حالتنا، منظومة كهرباء قادرة على الوقوف على قدميها.

الخلاصة؟ أزمة الكهرباء ليست فقط أسلاكًا ومحطات، بل قصة أزمة وطن ينهار في صمت.
وإلى أن نجد طريقة لإضاءة الليل دون شمس، ربما علينا أن نبدأ بخطوة أبسط: إطفاء لمبة العبث بضمير!