لا أودُّ التهرّب من التصريح بالرأي؛ إذ أرى أن واجبنا يقتضي الكلام الصريح ولو لم يلقَ صدى لدى بعض المنغمسين في فورة الفعل المرتد وما خلّفته صدمة يناير من أثرٍ عميق ترك جرحًا غائرًا في وجداننا جميعًا.
ولا يصدق هذا الكلام على من عافاه التعصّب والتشفّي بل على كل من حال بينه وبين الفهم الموضوعي ما يعتريه من انحياز.
الأمر لا يمسّ المجلس الانتقالي بوصفه "شخصًا" بالنسبة إليّ كما يروّج البعض بل أن ذلك يمسّ جوهر القضية الجنوبية برمتها التي أصيبت بنكسة في ظاهرها. ومع ذلك فإني أرى أن الصورة أوسع من ذلك، وأننا قد صحونا على واقعٍ مأساوي كان كثيرون يدركونه قبل يناير أصلًا.
صحيح أن المجلس الانتقالي بمساعدة التحالف العربي تمكن من بناء عدد غير قليل من الوحدات العسكرية المدربة. غير أنّ ما كان غائبًا عن إدراك البعض - أو على الأقل لم يُعلَن بما يكفي- هو أن هذه القوات كانت إلى حدّ معتبر كانت رهينة للأجندة السياسية للتحالف وأنه جرى توظيفها في دورٍ محدود يتجه نحو أغراض لا تنسجم بالضرورة مع ما نطمح إليه في مشروعنا السياسي الجنوبي.
وقد تأكدت هذه الحقيقة في أحداث يناير المشؤومة حين ذابت تلك القوات في لحظة خذلان حاسمة وقرارٍ نهائي بأن ذلك الدور قد انتهى.
وفي هذا السياق يمكن ملاحظة أن غياب التكامل بين المشروع السياسي والحامل الاقتصادي إلى جانب عدم استقلالية القرار وبين وجود تلك القوات المسلحة قد أوقعها مع مجهود عشر سنوات في مهب الريح عند أول اختبار.
دون الخوض في جوانب القصور وتفاصيل ما كان ينبغي عمله بما يواكب الخطاب السياسي والشعارات الطموحة - وهو أمر معروف لدى الجميع - يمكن تلخيص الإشكال الجوهري في فجوةٍ بين خطابٍ يَعِد وواقعٍ لا يترجم هذا الوعد. وبعبارة أدق فإن المشهد السائد لم ينتقل من مرحلة الحراك السلمي إلى مرحلة ما بعد التحرير والبناء.
فبدلًا من تشييد صروح المشروع السياسي على نحوٍ مؤسسي شهدنا انشغالًا بإثراء بعض القيادات وانغماس آخرين في وحل الفساد بما أفضى إلى استياء متصاعد لدى السواد الأعظم من أبناء الجنوب ولا سيما ثوار الحراك الذين وجدوا أنفسهم في موضع خذلانٍ خاص.
ما تزال اليوم بعض المظاهر الاحتفالية قائمة بينما تُعلِي أصوات الطبول وتتصادم مع الوعي بما ينبغي أن يُقال في لحظة كهذه. وهذا يذكّرني بصورةٍ مجازية لجوقة الموسيقى في سفينة التيتانيك إذ كانت الألحان تُعزَف بينما كانت السفينة تغرق ويتمزق نسيجها.
فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل سنواصل ترديد المعزوفة ذاتها والاستمرار في الخطاب ذاته وكأن شيئًا لم يحدث؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة التقييم العميق لما يجري والانتقال من الاحتفاء بالظاهر إلى معالجة الأسباب؟
أنا دون تردد مع الدفاع عن مشروعنا الوطني الجنوبي المعبر عن تطلعات شعبنا وإرادته التي ولدت من رحم المعاناة والخذلان والألم. غير أنني لا أرى – موضوعيًا - جدوى السير خلف الراية مع القطيع أو تحييد ملكة النقد باسم الانتماء.
ويستوقفني- في هذا المقام - ما جرى للحزب الاشتراكي في صيف عام 1994م من هزيمة مماثلة لما يلوح الآن في تجربة يناير 2026.
لقد أدّت الهزيمة إلى تكريس منطق البحث عن مبررات النكسة عبر تحميل الآخرين وزر الخيانة والخذلان بدلًا من البحث عن السبب الحقيقي المتمثل في الإخفاق السياسي الذاتي ارتبط - في جانب جوهري - بفشل التعاطي مع عملية التحالف والائتلاف مع قوى لا تتطابق مصالحها أصلًا مع مصالح الاشتراكي ولا مع مصالح الانتقالي.
تنتصب اليوم أمامنا مسؤولية وطنية عظيمة. ومن لديه حسابات خلافية مع المجلس الانتقالي أو مع بعض رموزه فليُميّز بين الوطن ومصالحه العليا وبين المجلس وأفراده. ذلك أن الوطن أوسع من التشكيلات وأن المصلحة العامة لا يجوز رهنها بصراعات الأشخاص.
والجمهور الذي يلتفّ حول المجلس الانتقالي اليوم ليس جمهورًا محدودًا بالضرورة إنه - بحسب طبيعة القضية - الجمهور الجنوبي العريض, الجمهور المدافع عن الجنوب وعن ثورته التي سبقت نشأة المجلس الانتقالي بكثير والتي راكمت نضالاتها قبل أن يتقدم الانتقالي لحمل الراية دون أن يحقق الهدف المنشود.
المطلوب أساسا أن نعترف بإخفاقنا الكبير في العملية السياسية وأن نعيد حساباتنا وتكتيكنا وبرنامجنا السياسي بما تقتضيه مستجدات المرحلة. فليس من الرشد الاستمرار في حشد المهرجانات التي لا تجد من يستثمرها، ولا في الانغماس في المعارك الجانبية مع قيادات المجلس الانتقالي وغيرهم من السياسيين الجنوبيين المختلفين مع من ما يزال يقود المشهد.
وبعد الاعتراف بالإخفاق الكبير، ينبغي أن نُمسك بأهم الأخطاء والنواقص لإعادة تصحيح المسار وإعادة بناء الحشد السياسي المنظم لمواجهة العاصفة التي قد تجتثنا جميعًا.
ومن أولى تلك الإخفاقات - في تقديري - تخلّي المجلس الانتقالي التام عن مخرجات اللقاء التشاوري الذي عُقد في مايو 2023م. فقد مثلت تلك المخرجات حصيلة نقاش نخبوي عميق لعدد معتبر من القيادات الحراكية المخضرمة التي أفرزت وثائق مهمة اعتُبرت امتدادًا لمخرجات مدرسة الحراك السلمي ومنها: الميثاق الوطني، ووثيقة بناء الدولة، ووثيقة التفاوض والحوار وغيرها.
كما أن من بين أهم ما كشف عنه اللقاء التشاوري - بمشاركة عدد غير قليل من المثقفين والمخلصين القادمين من مدرسة الحراك - إدراك ما جرى من "سلق" للحوار الوطني بعيدًا عن أبسط المعايير أو الأسس السليمة. لذلك جاء الإصرار من قبل النخبة الحاضرة حينها على أن يستمر الحوار الوطني مع مختلف الأطراف الجنوبية التي حضرت ومع الأطراف التي لم تحضر بما يضمن إجراء حوار وطني حقيقي يفضي إلى بلورة رؤية وطنية شاملة وتوافق وطني وشراكة وطنية ظلت غائبة في الأصل.
هذه هي - في تقديري - مطلقاتنا اليوم. فإذا أردنا إعادة البناء والاستمرار في مسيرة الثورة التي شرعها الحراك قبل عقدين ونيف فعلينا أن نعود إلى مربع مايو 2023م واطلاق حوار وطني جنوبي فعلي قبل أن يُستنفد ما تبقى من زخمٍ شعبي جنوبي وثورة تعيش أصعب أيامها.


















