تُظهر تطورات المشهد الجنوبي الراهن بروز مكونات جديدة تشكلت أو خرجت من عباءة المجلس الانتقالي أو أعادت تشكيل نفسها مجددًا بوصفها انعكاسا لواقع تعيشه القضية الجنوبية ونتاجًا طبيعيًا لما تراكم خلال الفترة الممتدة بين معركة التحرير في 2015 وضربة يناير 2026. ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن السياق البنيوي والسياسي الذي أنتجتها المرحلة السابقة ولا عن التحولات التي طرأت على أدوات الفعل السياسي وموازين القوة والقدرة على إدارة الاختلاف.
تتمثل الإشكالية المركزية لدينا - وهي إشكالية حقيقية ومزمنة - في عدم القدرة على عبور المرحلة التي تَمثَّلت في ترسّخ ثقافة السلطة الشمولية إلى ضفة أخرى تتسم بغياب الدولة ومؤسساتها الفاعلة وواقع مختلف تمامًا نعيشه اليوم.
لقد اتسمت السنوات العشر الماضية بطابع هجين فمن جهة كانت هناك محاولة بناء خطاب "سلطة" ومأسسة شكلية ومن جهة أخرى سادت معها ممارسات فوضوية مغموسة بالفساد وضعف الضبط المؤسسي.
ويبرز ذلك في مفارقة صارخة تتمثل في الثراء الفاحش للأقلية يقابله الفقر المدقع للأغلبية بما يعكس حقيقة وطابع المرحلة حتى لو تعالت شعاراتها وخطبها. فحتى عندما تُرفع نبرة "بناء المؤسسات" فإن ذلك لا يترجم إلى سياسات وبرامج قادرة على إنجاز الغاية المعلنة الأمر الذي يفاقم الفجوة بين الخطاب والواقع ويضعف الثقة الشعبية بمألات المشروع السياسي.
وهو ما بدى جليا من تآكل وتجريف حاد للحاضنة الشعبية للمجلس الانتقالي خلال فترة ما قبل أكتوبر 2025.
من الملاحظ اليوم ارتفاع للانفعالات والحماس لدى العامة. ويُفهم هذا الارتفاع بوصفه رد فعل على معاناة ممتدة لجيل بعد جيل جرى "التضحية" بدولتهم ومكتسباتهم وحقوقهم على مذبح الوحدة التي لم تتحقق وتحقق فقط وجهها الآخر المتمثل ب "الموت الزؤام" الذي يجثم اليوم على صدور عامة الناس مع هيمنة لعصابات النهب والبلطجة والإرهاب بدلا عن الدولة.
لا جديد - بالنسبة لمن يراقب المشهد عن كثب - في ظهور مكونات وفعاليات ترفع الشعار نفسه والبرنامج ذاته. لكن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه علميًا هو: كيف نفهم نشوء وتوالد تلك المكونات ضمن خطابات متطابقة؟
يمكن تفسير ذلك - وفقًا لما يبدو من مؤشرات - بأن الظاهرة ليست مجرد تنوع سياسي طبيعي بل تتقاطع مع ثقافة "بناء الدكاكين" وخلق كيانات جزئية لا تملك بالضرورة مشروع دولة جامعًا. وتشير هذه الحالة إلى غياب "الحامل الوطني" الفاعل , أي المرجعية الجامعة القادرة على تحويل التعدد إلى إضافة بدلا من تحويله إلى تمزق.
ومن المهم الإقرار بأن وجود اختلافات في البرامج والرؤى والمصالح أمر مفهوم. غير أن وجود حامل وطني قوي هو ما يمكن أن يحول التعدد إلى إطار تعددي جبهوي يضم القوى والقيادات في عملية سياسية تمهّد لبناء دولة حاضنة لهذا التعدد بما ينسجم مع جوهر التطلعات العامة في الحرية والانعتاق واستعادة الدولة.
لقد امتلك المجلس الانتقالي – كما أرى - مقومات الحامل الوطني من إمكانية والتفاف شعبي واسع تواق للعمل تحت راية كيان وطني يعبر عن إرادة الأغلبية الساحقة ويجسد تطلعاتها وأهداف حراك الثوري. وقد كان أساس هذا الحراك - في لحظة ظهوره الأولى - قائمًا على التصالح والتسامح الجنوبي الجنوبي والشراكة الوطنية بوصفها طريقًا نحو دولة جنوبية فيدرالية.
غير أن هذا المسار لم يكتمل وفقًا لما كان مأمولًا ما أدى إلى انهيار الانتقالي وبقاء الحراك الشعبي يسير دون هدى واضح أو قيادة جامعة تتقاذفه الرياح وأكثر قابلية للتجاذب من قبل مكونات هامشية لا تمتلك قدرة على إنتاج مشروع سياسي قابل للاستمرار والتمدد.
يبدو أن المجلس الانتقالي يعيش اليوم حالة صدمة دون حراك أو استيعاب كافٍ لما يمر به من تفكك وانهيار خاصة بعد فقدان الأذرع العسكرية والمالية. يبدو ذلك جليا من خلال غياب أي تحرك لإعادة البناء والاستجابة لمتطلبات اللحظة وهو ما يفسر ردود الفعل الانفعالية والتعصب وانتشار ظاهرة التخوين التي تُغذّي النار بدلا من أن تبحث عن أسباب "الحرائق" وآليات إطفائها.
يمثل غياب الهيئات القيادية والعناصر الأساسية للانتقالي بأكملها في لحظة هبوب العاصفة أمرًا يدعو للحيرة وللتساؤل والحاجة إلى تفسير منطقي عن الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع غير المبرر .. كيف وصل المشهد إلى هذا الوضع؟ وأين كانت التحوطات؟ ولماذا لم تُبنَ آليات إدارة الأزمة؟
بكل تأكيد أني لا أطرح هذه المعطيات بدافع التشفي لأننا جميعا جزء من معاناة مشتركة وأن الجميع موجود في "مركب يغرق". وعليه فإن البحث عن الحلول لا يبدأ بتبادل الاتهامات بل يبدأ بـتشخيص المرض بشكل موضوعي والاقتناع بوجود المشكلة وعمقها البنيوي ثم الانتقال إلى مرحلة البحث عن حلول سياسية تبدأ بتقليل حملات الهوس الضارة بشقيها (تطبيلًا وتخوينا).
وهنا نشدد على الحوار الجنوبي الجنوبي المفتوح باعتباره مدخلًا حقيقيًا للبحث عما يوحد الجنوبيين.
ونكرر النداء لكل القيادات الجنوبية في المجلس الانتقالي وغيره للبدء بعقد حلقات نقاش للوقوف أمام المستجدات وإجراء تقييم عميق بمشاركة واسعة تمهيدًا لتهيئة إطار سياسي قادر على توحيد المكونات وقياداتها في معركة سياسية مصيرية بما يحفظ وحدة الهدف ويحوّل الطاقة الشعبية إلى بناء مؤسسي بدلا من الاستنزاف الذي يقود إلى التفكك.
تتمثل الإشكالية المركزية لدينا - وهي إشكالية حقيقية ومزمنة - في عدم القدرة على عبور المرحلة التي تَمثَّلت في ترسّخ ثقافة السلطة الشمولية إلى ضفة أخرى تتسم بغياب الدولة ومؤسساتها الفاعلة وواقع مختلف تمامًا نعيشه اليوم.
لقد اتسمت السنوات العشر الماضية بطابع هجين فمن جهة كانت هناك محاولة بناء خطاب "سلطة" ومأسسة شكلية ومن جهة أخرى سادت معها ممارسات فوضوية مغموسة بالفساد وضعف الضبط المؤسسي.
ويبرز ذلك في مفارقة صارخة تتمثل في الثراء الفاحش للأقلية يقابله الفقر المدقع للأغلبية بما يعكس حقيقة وطابع المرحلة حتى لو تعالت شعاراتها وخطبها. فحتى عندما تُرفع نبرة "بناء المؤسسات" فإن ذلك لا يترجم إلى سياسات وبرامج قادرة على إنجاز الغاية المعلنة الأمر الذي يفاقم الفجوة بين الخطاب والواقع ويضعف الثقة الشعبية بمألات المشروع السياسي.
وهو ما بدى جليا من تآكل وتجريف حاد للحاضنة الشعبية للمجلس الانتقالي خلال فترة ما قبل أكتوبر 2025.
من الملاحظ اليوم ارتفاع للانفعالات والحماس لدى العامة. ويُفهم هذا الارتفاع بوصفه رد فعل على معاناة ممتدة لجيل بعد جيل جرى "التضحية" بدولتهم ومكتسباتهم وحقوقهم على مذبح الوحدة التي لم تتحقق وتحقق فقط وجهها الآخر المتمثل ب "الموت الزؤام" الذي يجثم اليوم على صدور عامة الناس مع هيمنة لعصابات النهب والبلطجة والإرهاب بدلا عن الدولة.
لا جديد - بالنسبة لمن يراقب المشهد عن كثب - في ظهور مكونات وفعاليات ترفع الشعار نفسه والبرنامج ذاته. لكن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه علميًا هو: كيف نفهم نشوء وتوالد تلك المكونات ضمن خطابات متطابقة؟
يمكن تفسير ذلك - وفقًا لما يبدو من مؤشرات - بأن الظاهرة ليست مجرد تنوع سياسي طبيعي بل تتقاطع مع ثقافة "بناء الدكاكين" وخلق كيانات جزئية لا تملك بالضرورة مشروع دولة جامعًا. وتشير هذه الحالة إلى غياب "الحامل الوطني" الفاعل , أي المرجعية الجامعة القادرة على تحويل التعدد إلى إضافة بدلا من تحويله إلى تمزق.
ومن المهم الإقرار بأن وجود اختلافات في البرامج والرؤى والمصالح أمر مفهوم. غير أن وجود حامل وطني قوي هو ما يمكن أن يحول التعدد إلى إطار تعددي جبهوي يضم القوى والقيادات في عملية سياسية تمهّد لبناء دولة حاضنة لهذا التعدد بما ينسجم مع جوهر التطلعات العامة في الحرية والانعتاق واستعادة الدولة.
لقد امتلك المجلس الانتقالي – كما أرى - مقومات الحامل الوطني من إمكانية والتفاف شعبي واسع تواق للعمل تحت راية كيان وطني يعبر عن إرادة الأغلبية الساحقة ويجسد تطلعاتها وأهداف حراك الثوري. وقد كان أساس هذا الحراك - في لحظة ظهوره الأولى - قائمًا على التصالح والتسامح الجنوبي الجنوبي والشراكة الوطنية بوصفها طريقًا نحو دولة جنوبية فيدرالية.
غير أن هذا المسار لم يكتمل وفقًا لما كان مأمولًا ما أدى إلى انهيار الانتقالي وبقاء الحراك الشعبي يسير دون هدى واضح أو قيادة جامعة تتقاذفه الرياح وأكثر قابلية للتجاذب من قبل مكونات هامشية لا تمتلك قدرة على إنتاج مشروع سياسي قابل للاستمرار والتمدد.
يبدو أن المجلس الانتقالي يعيش اليوم حالة صدمة دون حراك أو استيعاب كافٍ لما يمر به من تفكك وانهيار خاصة بعد فقدان الأذرع العسكرية والمالية. يبدو ذلك جليا من خلال غياب أي تحرك لإعادة البناء والاستجابة لمتطلبات اللحظة وهو ما يفسر ردود الفعل الانفعالية والتعصب وانتشار ظاهرة التخوين التي تُغذّي النار بدلا من أن تبحث عن أسباب "الحرائق" وآليات إطفائها.
يمثل غياب الهيئات القيادية والعناصر الأساسية للانتقالي بأكملها في لحظة هبوب العاصفة أمرًا يدعو للحيرة وللتساؤل والحاجة إلى تفسير منطقي عن الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع غير المبرر .. كيف وصل المشهد إلى هذا الوضع؟ وأين كانت التحوطات؟ ولماذا لم تُبنَ آليات إدارة الأزمة؟
بكل تأكيد أني لا أطرح هذه المعطيات بدافع التشفي لأننا جميعا جزء من معاناة مشتركة وأن الجميع موجود في "مركب يغرق". وعليه فإن البحث عن الحلول لا يبدأ بتبادل الاتهامات بل يبدأ بـتشخيص المرض بشكل موضوعي والاقتناع بوجود المشكلة وعمقها البنيوي ثم الانتقال إلى مرحلة البحث عن حلول سياسية تبدأ بتقليل حملات الهوس الضارة بشقيها (تطبيلًا وتخوينا).
وهنا نشدد على الحوار الجنوبي الجنوبي المفتوح باعتباره مدخلًا حقيقيًا للبحث عما يوحد الجنوبيين.
ونكرر النداء لكل القيادات الجنوبية في المجلس الانتقالي وغيره للبدء بعقد حلقات نقاش للوقوف أمام المستجدات وإجراء تقييم عميق بمشاركة واسعة تمهيدًا لتهيئة إطار سياسي قادر على توحيد المكونات وقياداتها في معركة سياسية مصيرية بما يحفظ وحدة الهدف ويحوّل الطاقة الشعبية إلى بناء مؤسسي بدلا من الاستنزاف الذي يقود إلى التفكك.















