في 9 مارس 2026م، حضرتُ الاحتفال الرسمي لتنصيب الرئيس البرتغالي الجديد، أنطونيو جوزيه سيغورو، في لشبونة، في القاعة الرئاسية للبرلمان في العاصمة البرتغالية، خلفًا للرئيس السابق Marcelo Rebelo de Sousa مارسيلو روبيلو ديسوزا، الذي أنهى ولايته الدستورية بعد فترتين رئاسيتين، وفقًا لنظام الحكم في البرتغال.

السفير رياض مع الرئيس البرتغالي الحالي أنطونيو جوزيه سيغورو
السفير رياض مع الرئيس البرتغالي الحالي أنطونيو جوزيه سيغورو

حيث جلس الاثنان على المنصة في مودة وصداقة كاملة، بابتسامات صادقة، في مشهد تسليم واستلام بطريقة ديمقراطية حضارية، دون أي ضغينة. وتذكرتُ أحوالنا بين رئيسٍ سابق قُتل أو سُجن، وآخر في المنفى! التداول السلمي للسلطة هو عنوان رقي الأمم مهما صغر حجمها.

الرئيس السابق، السيد ديسوزا، استمر لفترتين (10 سنوات)، وكان يحبه الناس لتواضعه ونشاطه وحيويته.

السفير رياض مع الرئيس البرتغالي السابق مارسيلو روبيلو ديسوزا
السفير رياض مع الرئيس البرتغالي السابق مارسيلو روبيلو ديسوزا

وكما قال رئيس البرلمان في كلمته الاحتفالية: إن دي سوزا، في كل المواقف السياسية والأحداث التي مرت خلال فترة رئاسته، لم يكن إلا الإنسان الودود ولم يتغير. وقد التقيت الرئيس السابق شخصيًّا في أكثر من مناسبة، سواء في احتفال بداية السنة، أو في الأعياد الوطنية، يتبادل الحديث ويسأل ويستفسر، ويشعرك أن الوقت كله لك، وهذه ميزة لا يتمتع بها الكثير من الرؤساء. حتى إنك تكاد تجد أن معظم البرتغاليين قد التقطوا معه صورة تذكارية.

تأسست دولة البرتغال في عام 1143م وهي واحدة من أقدم دول العالم، لها تاريخ يفوق الثمانية قرون وتشكل خليط من الشعوب والتقاليد والثقافات، وقوة بحرية عالمية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وصلت إلى أفريقيا والشرق الأقصى وأمريكا الجنوبية وحاولت غــزو عـدن! والحقيقة أنها بداية ظاهرة العولمة.

بعد تأسيس الجمهورية البرتغالية في عام 1915م عاشت البرتغال فترة مضطربة توجت بظهور دولة جديدة في 1926م ثم في 25 أبريل 1974م جلبت " ثورة القرنفـل ". الديموقراطية إلى البرتغال تلاها وبسرعة إنهاء الاستعمار في أفريقيا وآسيا.

ولأن البرتغال تشبه اليمـن كثيرًا، فهي ذات تاريخ عريـق، ولشبونـة تشبه عدن فكلاهما يطـل على البحر المحيط الأطلسي أو بحـر " الظلمات "وبحـر العرب" المحيط الهنــدي «وهي دولـة أوروبية احتلها المسلمون لفترة طويلة وبعدها استكشفت العالم الآخر عبر المستكشف البرتغالي فردينان ماجــلان Ferdinand Magellan، الذي وُلد عام 1480م، وتوفي عام 1521م في الفيلبين.

لشبونـة
لشبونـة

كان ملاحًا ومستكشفًا من بداية عصر الاكتشافات الأوروبية، وسعى للوصول إلى جزر الهند الشرقية عبر الإبحار غربًا، ضمن محاولات إيجاد طرق بحرية جديدة للتجارة، في وقت كانت فيه السيطرة على طرق التوابل تمثل محور الاقتصاد العالمي.

وقد سبقه وتبعه عدد من كبار المستكشفين البرتغاليين، منهم: بارتليمو دياس Bartolomeu Dias، الذي عبر رأس الرجاء الصالح عام 1488م، و فاسكو ديجاما Vasco da Gama الذي وصل إلى الهند عام 1498م، فاتحًا أول طريق بحري مباشر بين أوروبا وآسيا. وبيدرو الفاريس كابرال Pedro Álvares Cabral، الذي وصل إلى البرازيل عام 1500م.

وتُعرف الإمبراطورية البرتغالية بأنها من أطول الإمبراطوريات الاستعمارية عمرًا، إذ استمرت قرابة ستة قرون، من احتلال سبتة سنة 1415م إلى تسليم ماكاو سنة 1999م إلى الصين، وهو ما يجعلها من أطول التجارب الاستعمارية استمرارًا في التاريخ الحديث.

وقد امتدت رقعة هذه الإمبراطورية في أنحاء واسعة من العالم، شملت أجزاءً من أفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا، وأسهمت في تشكيل روابط ثقافية ولغوية ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم، حيث تُعد اللغة البرتغالية اليوم واحدة من أكثر اللغات انتشارًا في العالم، ويتحدث بها أكثر من 250 مليون نسمة.


ومع توسع مملكة البرتغال وتأثيرها العالمي. وبدأ البحارة البرتغاليون استكشاف السواحل الإفريقية منذ أوائل القرن الخامس عشر، مستخدمين تقنيات بحرية متقدمة، مثل سفن الكارافيل، التي مثّلت نقلة نوعية في علم الملاحة.

وقد أدى ذلك إلى فتح طرق تجارية جديدة، خاصة في تجارة التوابل، التي كانت من أهم مصادر الثروة آنذاك وأصبحت أول قوة عالمية ذات امتداد بحري واسع، وأسست شبكة تجارية تربط بين القارات، ورغم هذا التاريخ العريق المندثر إلا أنني لاحظت أن البرتغاليين يعيشون الحاضر ويخططون للمستقبل اكثر مما يتغنون بالماضي.

ساعدت البرتغال تيمور الشرقية في الحصول على استقلالها من إندونيسيا عام 1999م، بعد سيطرة واضطرابات وعدم توافق دام 24 عامًا وهو التزام أخلاقي يحسب للبرتغال على المستوى الدولي، كما حافظت على علاقات قوية مع مستعمراتها السابقة، خاصة في إطار ما يُعرف بـ”مجموعة الدول الناطقة بالبرتغالية"، التي تعكس استمرار الروابط الثقافية واللغوية.

بلغ عدد البرتغاليين المقيمين خارج بلادهم نحو 6 ملايين نسمة، وهم معروفون بالجدية والعمل والمساهمة الفعالة في المجتمعات التي يعيشون فيها، ويُعدّون من النماذج الناجحة في الاندماج داخل أوروبا وخارجها.

وقد أُهديتُ إلى الرئيس البرتغالي"دي سوزا"، عام 2017م، عند تقديم أوراق اعتمادي كسفير، لوحة رسمها بحار برتغالي عام 1520م تُجسد محاولة البرتغال السيطرة على عدن، وعند استلامها قال مازحًا: لم تتعاملوا جيدًا معنا عندما حاولنا احتلالكم؟! فأجبته مبتسمًا:"لم نكن موجودين حينها!" وتحمل هذه اللوحة وصفًا جميلًا لمدينة عدن،"عدن مركز تجاري مشهور في الجزيرة العربية، حيث يلتقي فيها التجار من الهند وأثيوبيا وبلاد فارس، عدن مدينة رائعة محصنة بفضل موقعها وبنائها، كما اشتهرت بالجبال وبمبانيها المحمية بالقلاع والجبال الشامخة التي تقع على قممها الأنوار المضيئة التي ترشد السفن نحو الميناء، كانت عدن سابقا شبه جزيرة ولكن نتيجة تدخل الصناعة البشرية أصبحت المدينة الآن محاطة بالمياه من جميع الاتجاهات وتُذكّر اللوحة بمرحلة من التنافس البحري على طرق التجارة في المنطقة أساسها موقع"عدن " الهام والمنافسة في كل فترة من الزمان وإن اختلفت الوسائل.

البرتغاليون شعب ودود، وهم من أقرب الشعوب الأوروبية إلى الشرق في طباعهم، كما أن لغتهم تحمل آثارًا من الكلمات العربية نتيجة التأثير التاريخي للحضارة الإسلامية في شبه الجزيرة الإيبيرية، التي استمرت عدة قرون وأسهمت في نقل العلوم والمعرفة إلى أوروبا.

العاصمة "لشبونة" تعتبر أكبر مدينة من حيث عدد السكان 3 ملايين لها طابع مميز وقد زرت عددًا من المدن البرتغالية في مناسبات وطنية، حيث تُقام الاحتفالات سنويًا في مناطق مختلفة من البلاد، وأذكر رحلة جبلية خلابة على ضفاف أحد الأنهار القادمة من إسبانيا نحو المحيط الأطلسي"نهر دويرة " DUERO"، الذي كان يسميه العرب في الأندلس بالوادي الجوفي، حيث يمكن رؤية التقاء المياه العذبة بالمالحة في مشهد طبيعي فريد، ومدينة COIMBRA كويمبرا التي يوجد فيها اقدم جامعة في أوروبا. يعكس تنوع الجغرافيا البرتغالية جمالا طبيعيا خلابا ويحفزني للكتابة عنها مستقبلا.

وأصبحت البرتغال وجهة مفضلة لكثير من الشخصيات العالمية للإقامة فيها نظرًا لما تتمتع به من استقرار وأمان وجودة حياة عالية واعتدال في المناخ، إضافة إلى سياسات تشجع الاستثمار والإقامة، كما تتمتع بعلاقات قوية مع البرازيل، تعود جذورها إلى التاريخ المشترك بين البلدين، وما زالت هذه العلاقة تمثل أحد أهم جسور التواصل بين أوروبا وأمريكا الجنوبية.