لا خلاف حول مبدأ الحوار بوصفه وسيلةً حضارية لحل مشكلة الصراع على السلطة، وكذا لحل أي نزاع ينشأ بين الأطراف المحلية أو الدولية. ولكل حوار مبادئ حاكمة عرفية وقانونية محلية ودولية، ولا ينكر هذه الوسيلة إلا من يسعى لمصادرة حقوق الأطراف الأخرى بالقوة والاحتيال.

وحتى إذا اتفق الجميع على التمسك بالحوار كوسيلة، فإن هذا المبدأ كثيرًا ما يتعرض للالتفاف وتضارب التفسيرات. وغالبًا ما يكون وراء ذلك مبدأ آخر أكثر حضورًا وهو القوة التي تفرض الحلول وتختلق المبررات والذرائع للجوء إلى شن الحروب والتغول لانتزاع حقوق الآخرين وفرض الحلول التي يريدونها.

وفي هذا السياق، تمثل منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي نموذجًا صارخًا للتظليل ولانتهاك مبادئ الحوار وتطبيق القوانين الحاكمة للنزاع بين الأمم والمجتمعات، سواءً على المستوى الدولي أو المحلي. وقد تجلى ذلك بوضوح بعد اختلال التوازن بين القوى صاحبة الغلبة داخل مجلس الأمن، والتي منحت نفسها حق النقض (الفيتو). وقد تجسد الأمر بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتَسَلُّط القطب الواحد ممثلًا بالإمبراطورية الأمريكية التي أصمت آذاننا لعقود بالحديث عن الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان والسلم الاجتماعي؛ ثم شاحت بوجهها القبيح وعادت بنا إلى عصر الاستعمار والغزوات دون أن تكترث لتلك المبادئ التي طالما تغنت بها.

ولا شك أننا نعيش اليوم عصر البلطجة السياسية والعسكرية التي تُمارَس على نطاق واسع محليًا وإقليميًا ودوليًا، ولم يعد للمؤسسات الدولية أي حضور يُذكر؛ فالقوة هي التي تحكم وتُهيمن. وهذا يدعونا إلى مراجعة هذا المسار والتفكير مرارًا في جدوى الركون إلى وسيلة النضال عبر التسلح بمبادئ الحقوق والحريات وادعاء المظلومية كوسيلة لاستجداء المؤسسات الدولية والدول لإنصافنا. تلك الوسيلة - رغم أهميتها الإعلامية والدعائية في معركتنا للدفاع عن سيادة وطننا طننا وحقوقنا - لا تغيّر حقيقةً ناصعة: أن القوة والمصالح وحدهما الوسيلة الناجعة للدفاع عن النفس.

ومن دون التحليق في الجانب النظري، فإن أي حوار لا يقوم على أسس منطقية وعادلة - مهما بلغ ما يحققه من تظليل للناس وما يصاحبه من ضجيج - فإن مآله الفشل، بل وانه يؤدي إلى نزاع عسكري ودمار. ولنا فيما جرى من "حوار تاريخي" في موفمبيك بصنعاء مثالٌ ليس له سابقة في طول مدته أو في حجم الحشود المحلية والدولية التي شاركت في تسييره عام 2013. ولأن ذلك الحوار اعتمد على القوة والتظليل واستبعاد أي تمثيل لأبناء الجنوب - وهم الطرف الأهم - فكانت النتائج كارثية دفع ثمنها الجميع. وبالذات أولئك الذين كانوا مسيطرين على مقاليد السلطة في الشمال والجنوب؛ فلم يخسروا السلطة والثروة فقط، بل انتهى الأمر إلى ضياع الدولة برمتها.

ثم تكررت حواراتٌ جرت في الرياض في 2016 وفي 2022م. ولأنها أيضًا قامت على مبدأ الاستقواء والتجاهل لحقوق الأطراف المتنازعة، لم يُكتب لها نجاح يُذكر، بل قادت إلى الوضع المأزوم الحالي، وانفراط عقود التحالفات، وانحراف "عاصفة الحزم" عن أهدافها التي انطلقت من أجلها.

إن هذه حقيقة نؤكدها: من يدعو للحوار دون أن يبنيه على أسس واقعية ومنطقية، فإنه كمن يلعب بالنار التي لا ينجو من شررها أحد. وعند التفكير بأي حوار محدد، يجب أن يكون قائمًا على مشكلة بعينها. ومشكلتنا اليوم هي فشل الوحدة والنزاع القائم بين دولتي اليمن: "اليمن الديمقراطية" و"الجمهورية العربية اليمنية". ويؤكد هذا الواقع أن أبناء الجنوب هم الطرف الرئيس في أي حوار يمكن الدعوة إليه.

وعليه، فإن الحديث عن "مرجعيات" لا نعترف بها أبناء الجنوب العربي - وقد كنا في أي يوم غير شركاء في صياغتها - لا يصلح بأي حال للبناء عليها؛ بل إنها مضيعة للوقت ولن تزيد إلا النار اشتعالًا.

كما نود التأكيد على أن أي حوار ينطلق بمن يدّعون تمثيل شعب الجنوب دون وجه حق، لن ينتهي إلا بالفشل. فشعب الجنوب هو المرجعية الوحيدة. ومن يتصدى لتمثيل شعب الجنوب، لابد أن يحظى بالدعم من قبل القوى التي تملك الحضور الفعلي على الأرض، وتأييد الحشود الهادرة في مدن وقرى الجنوب الذي يشهد انتفاضة شعبية قلّ مثيلها في التاريخ الحديث. ولأن الشعب لا يحكم ولا يعبر عن نفسه سياسيًا إلا من خلال ممثليه ونخبه التي تحظى بدعمه وتأييده، ولئلا نتحول إلى مجرد جموع تتظاهر وتحتشد مهما كان حجمها، فإن الطريق إلى سد المنافذ أمام الأدعياء والمتقولين بتمثيل الجنوب لن يمر إلا عبر "حوار وطني جنوبي - جنوبي شامل"، قائم على أسس واقعية وديمقراطية - وهو ما ندعو له ونؤكد الدعوة إليه صباحًا ومساءً: وكلامٌ للجمل، وكلامٌ للجمّال