> سمير حسن:

في أحد الأسواق الشعبية بمديرية الشيخ عثمان في العاصمة عدن، يقف عبد الغني الدبعي (37 عامًا) خلف عربته الصغيرة ذات العجلات الثلاث، يرتب قوارير العطور وقطع البخور التي يصنعها بيديه. فبعد سنوات من تخرجه من الجامعة، وبعد طول انتظار دون وظيفة، وجد نفسه مدفوعا لشق طريق مختلف كليا عن تخصصه الدراسي.


داخل منزله، يقضي الدبعي ساعات في خلط مكونات البخور وتحضير العطور، التي ينقلها كل يوم إلى السوق. ومع محدودية الإقبال، يلجأ أحيانا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا تطبيقات مثل واتساب وتيك توك، لتسويق منتجاته والوصول إلى زبائن جدد.

ولا يقتصر عمله على البيع فقط، بل شارك في دورات تدريبية مع منظمات تنموية، نقل أثناءها خبرته التي اكتسبها في مجال صناعة العطور والبخور إلى نساء يسعين لإيجاد مصدر دخل.

ويضيف "البداية كانت صعبة، لكنني أتعلم يوما بعد يوم كيف أتعامل مع الزبائن، وأطور منتجاتي وأساليب تسويقي، وأتمنى أن أتمكن يوما من توسيع مشروعي ليصبح متجرًا متكاملًا". 
  • قصص صمود 
تجربة الدبعي ليست الوحيدة، بل تعكس واقع شريحة واسعة من الخريجين اليمنيين الذين دفعتهم سنوات الحرب منذ عام 2015، وتوقف التوظيف الحكومي، إلى البحث عن بدائل في سوق عمل محدودة ومضطربة.

ليزا، خريجة كلية التربية في عدن عام 2015، أمضت سنوات تبحث عن وظيفة دون نتيجة، قبل أن تقرر خوض تجربة العمل الخاص رغم محدودية الإمكانات، وتدير اليوم كشكًا صغيرًا لبيع العطور النسائية.

تقول ليزا "بدأت برأس مال بسيط لا يتجاوز 200 دولار، لكنني كنت مصممة على أن أبدأ مهما كانت الظروف"، وتضيف "العمل متعب والأرباح غير مستقرة بسبب الوضع الاقتصادي، لكن هذا المشروع هو مصدر الأمل الوحيد بالنسبة لي".

وتشير إلى أن دخلها لا يغطي احتياجات أسرتها كلها، لكنه يساهم مع دخل زوجها في تلبية جزء من المتطلبات اليومية.

أما خريج قسم الفيزياء عام 2010 محمد المقطري فقد اتجه إلى مسار مختلف تماما بعد سنوات من الانتظار دون وظيفة، ويعمل اليوم في صيانة المكيفات والثلاجات في مديرية التواهي.

يقول المقطري "بعد التخرج واندلاع الأزمة في اليمن، تبخر الأمل في الحصول على وظيفة في تخصصي، فقررت تعلم مهنة أستطيع من خلالها تأمين دخل".

ويضيف "بدأت من الصفر، وتعلمت أساسيات الصيانة عبر الدورات والتجربة، حتى تمكنت من افتتاح محل خاص بي".

ويشير إلى أن عمله يوفر له دخلا أفضل من سنوات الانتظار، خصوصا في مواسم الصيف، مضيفا أن "الشهادة وحدها لم تعد تكفي، فالمهارة هي التي تصنع الدخل اليوم". 
  • صورة قاتمة لسوق العمل 
ما يعيشه الدبعي وليزا والمقطري ليس سوى نماذج من واقع أوسع. ففي بلد أنهكته الحرب الممتدة منذ عام 2015، تكشف المؤشرات الرسمية عن صورة قاتمة لسوق العمل، تعكس عمق الانهيار الاقتصادي وتداعياته المباشرة على فرص التشغيل ومستويات المعيشة.

وأكدت الحكومة اليمنية في فبراير 2025 أن معدلات البطالة ارتفعت إلى نحو 80 %، بالتوازي مع ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل العملة المحلية بنسبة تجاوزت 700 %، وتضخم بلغ نحو 183 %.


وتتضح حدة الأزمة بالنظر للبيانات الخاصة بالشباب، إذ تشير بيانات رسمية إلى أن معدل البطالة بينهم ارتفع إلى نحو 60 % أثناء سنوات الحرب، مقارنة بنحو 14 % قبل اندلاعها، فيما تتجاوز النسبة بين خريجي الجامعات هذا المستوى، في ظل محدودية قدرة القطاعين العام والخاص على الاستيعاب.

ويُعزى ذلك بدرجة أساسية إلى توقف التوظيف الحكومي، الذي كان يمثل المسار الرئيسي لتوظيف الخريجين؛ فمنذ آخر دفعة توظيف كبيرة شملت نحو 60 ألف خريج مطلع العقد الماضي، دخلت عملية التوظيف حالة جمود شبه كامل، تفاقمت مع اندلاع الحرب، ليبقى القطاع العام مغلقا فعليا أمام أجيال جديدة.

وفي المقابل، تواصل الجامعات اليمنية تخريج آلاف الطلاب سنويا من أكثر من 60 جامعة حكومية وخاصة، مما يوسع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، ويدفع أعدادا متزايدة من الخريجين إلى خيارات محدودة، بينها العمل خارج التخصص أو الهجرة. 
  • تقلص فرص الخريجين 
ويرى خبراء اقتصاديون أنه في ظل تدهور اقتصادي متسارع وتراجع حاد في سوق العمل، تتقلص فرص الخريجين في الحصول على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم، مما يدفع كثيرين إلى الهجرة أو الانخراط في أعمال بديلة لا ترتبط بتخصصاتهم.

ويؤكد رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي اليمني مصطفى نصر للجزيرة نت أن كثيرا من الخريجين يتجهون إلى أعمال لا تمت لتخصصاتهم بصلة، أو يضطرون إلى الهجرة بحثا عن فرص أفضل، خصوصا في التخصصات الإنسانية والتربوية، باستثناء بعض المجالات مثل المهن الطبية التي لا تزال تحظى بفرص نسبية في القطاع الخاص.


ويضيف أن الأزمة لا تبدأ بعد التخرج فقط، بل تمتد إلى مراحل مبكرة، مع ارتفاع معدلات التسرب من التعليم إلى نحو 3 ملايين طالب حتى عام 2024، في مؤشر يعكس عمق التحديات التي تواجه رأس المال البشري في البلاد.

كما أدت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة وتوقف الرواتب وانخفاض قيمة العملة إلى مغادرة بعض الموظفين وظائفهم والهجرة إلى دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

ويشير نصر إلى أن الاقتصاد اليمني انكمش بنحو 43 % بين عامي 2015 و2024، مع تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي من نحو 1430 دولارا قبل الحرب إلى ما بين 300 و400 دولار حاليًا، مما يعمّق أزمة البطالة ويحد من فرص التعافي.

ومع ذلك يرى أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تمثل أحد أهم مسارات التكيف أمام الشباب، غير أنها تواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل وتعقيدات الإقراض وغياب الدعم المؤسسي، مما يجعل كثيرًا منها هشًا أو قصير العمر في ظل غياب حاضنات أعمال وإستراتيجية واضحة.

ورغم قسوة الظروف، تبدو المشاريع الصغيرة بالنسبة لكثير من الشباب اليمني طوق نجاة يتيح لهم البقاء في مواجهة البطالة وتراجع الفرص.

وبين بسطات العطور ومحال الصيانة والأعمال المنزلية، تتشكل قصص كفاح يومية عنوانها البحث عن الكرامة والعمل، في بلد باتت فيه الوظيفة حلمًا مؤجلًا لجيل كامل.

"الجزيرة"