> محمد النجار:

  • التمر اليمني.. أمن غذائي ورافد اقتصادي وموروث أصيل
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى والثانية انقطعت  إمدادات الغذاء عن بلدان العالم، وبدأت المجاعات تغزو الشعوب تاركه معها ملايين البشر جوعى دون أي غذاء حِينها بدأ مفهوم الأمن الغذائي يأخذ أهميّته عالميًّا وبدأ التفكير بتنمية الموارد الزراعية وتخزينها لمواجهة أي مخاطر تهدد البشرية.


لحسن الحظ كانت اليمن والتي اشتهرت باستغلال سكانها لأوديتها وأراضيها الخصبة للزراعة في مأمن من تلك المجاعات كونها تشتهر بزراعة محاصيل تمتاز بقيمتها الغذائية العالية وببقائها لفترات طويلة دون أن تتلف كان أشهر وأهم تلك المحاصيل هو التمر والذي ساعد سكان اليمن على الصمود في وجه تلك المجاعات كون التمر يحتوي على عناصر غذائية تجعل الإنسان قادراً ان يعيش عليه فقط دون أن تظهر عليه أعراض نقص التغذية وهو ما أنتبه له الفلاح اليمني قديماً وصار يُكثر من زراعة النخيل ويجعله من ثقافته وموروثه الديني. 
  • النخيل موروث يمني أصيل 
تُعتبر زراعة النخيل في اليمن من الزراعات التقليدية التي يمتد عمرها لآلاف السنين، حيث تُعتبر أشجار النخيل من أقدم أشجار الفاكهة في اليمن والتي يعتبرها خبراء الزراعة أحد مكونات التنوع الحيوي الزراعي في بلادنا لما لها من دور استراتيجي في حياة سكان المجتمعات الريفية كونها مصدر الغذاء والدخل لصغار المزارعين والأسر الفقيرة أيضًا وهو ما يعزز من هويتها وموروثها الثقافي والاقتصادي لدى اليمنيين. 
  • تراجع مرعب في أعداد أشجار النخيل 
إذا ما عرّجنا لزراعة النخيل في اليمن في وقتنا الحاضر فسنجد أنّ ما كان يعتبره اليمنيون صمّام الأمان لأمنهم الغذائي بدأ بالانحدار، تضاعُف أعداد سكان اليمن كان لابد أن يشهد معه زيادة زراعة النخيل وبالتالي زيادة الإنتاج من التمور لكن ما حدث هو العكس تمامًا، فأشجار النخيل في بلادنا تراجعت أعدادها إلى النصف تقريبًا حسب تقرير أصدره البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة مؤخرًا وهو مؤشر مخيف لتناقص اهم مصدر للغذاء في اليمن.

تجود نخيل بلادنا بأصناف عديدة من التمور، وتؤكد آخر المصادر امتلاك اليمن نحو 35 صنفًا عالي الجودة من أصناف التمور مصنّفة من قبل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، يتم زراعتها في عدّة محافظات يمنية حيث المناطق الساحلية والوديان الخصبة والتي تمتاز بمناخ مناسب لزراعة النخيل، إذ يبلغ عدد أشجار النخيل في اليمن حوالي 4.680 ملايين نخلة منها 3.276 ملايين نخلة مثمرة وحوالي 1.404 مليون نخلة غير مثمرة تشغل جميعها رقعة زراعية تقدر 16 ألف هكتار بقدرة إنتاجية من التمور بلغت ستون الف طن سنويًّا حيث احتلت اليمن المرتبة الرابعة عشرة عالميًّا في إنتاج التمور وهو تراجع لافت عمّا كانت عليه بلادنا قبل ثلاثون عام من الآن. 
  • المحافظات المُنتجة للتمور 
احتلت محافظة حضرموت الصدارة من حيث أعداد أشجار النخيل تلتها محافظة الحديدة حيث يوجد في تلك المحافظتين 67 % من نخيل التمر في اليمن، أما النسبة المتبقية من أشجار النخيل فتتواجد في محافظات أُخرى مثل أبين، لحج، شبوة، الجوف، المهرة. 
  • أسباب تراجع إنتاج التمر اليمني 
طيلة الثلاثة العقود الأخيرة، تناقصت أعداد أشجار النخيل بشكل يبعث على القلق وانقرضت معها عدّة أصناف من محاصيل النخيل من التمور والبلح ذو الجودة العالية، تعددت الأسباب والنتيجة واحدة وهي انخفاض حاد في إنتاج بلادنا من التمور.


يرى الخبراء الزراعيون أن ارتفاع التكاليف الزراعية من غلاء مادة الديزل، وأجور العمالة وصعوبة حصول المزارعين على قروض مُيَسّرة واقتلاع أشجار النخيل واستبدالها بالأعمدة الخرسانية نتيجة للزحف العمراني وانتشار الآفات الزراعية خصوصًا حشرتي "سوسة النخيل الحمراء "ودوباس النخيل" نتيجة غياب دور الوقاية النباتية والإرشاد الزراعي وضعف المحاجر النباتية واستيراد التمور من الخارج على حساب الإنتاج المحلي من التمور وانعدام وسائل التخزين وضعف البنية التحتية للري ومصدات السيول والتي سببت اقتلاع عشرات الآلاف من أشجار النخيل وكذا الحرب والتي فاقمت الوضع مسببة تقطع الطرقات وإيقاف التصدير تعد أهم الأسباب التي أدّت لتناقص أشجار النخيل وإنتاجها من التمور والبلح. 
  • مستقبل واعد لمحصول تمر النخيل 
طيلة الست سنوات الماضية كان وزير الزراعة والري والثروة السمكية اللواء سالم السقطري يضع آفاق جديدة لإعادة الاعتبار لأشجار النخيل، فشخصية الوزير التي نشأت بين أوساط طبيعية جزيرة سقطرى بما تحتضنها من أشجار النخيل جعلت منه يُدرك قيمة النخلة كمصدر للغذاء والأمن الغذائي، لذا جعل الحفاظ على اهم مصدر للأمن الغذائي لبلادنا في هرم أولوياته والذي برز جليًّا في العديد من المشاريع التي نفذتها الوزارة.

تنمية الموارد المائية في المحافظات اليمنية المُنتجة للنخيل بما فيها وادي حجر في حضرموت كانت محور الارتكاز في حماية النخيل من الجفاف والأضرار التي تخلفها المنخفضات الجوية، ساهمت تلك المشاريع المائية وبالأخص في وادي حجر في إعادة تأهيل البنية التحتية للري من بناء وتأهيل السدود وقنوات الري وإنشاء عشرات الألاف من الكيلومترات من الدفاعات الخرسانية وحمايات التربة (الجابيون) والتي تعد بحق نهضة مائية لم تعهدها مناطق النخيل من قبل.


إطلاق "مشروع الدعم الفني لتحسين سلسلة القيمة لنخيل التمر" في محافظة حضرموت بدعم من منظمة (الفاو) وتطويره كتجربة ناجحة ليتم تطبيقه في بقية مناطق زراعة النخيل في البلاد هو أيضًا ضمن مشاريع تنمية أراضي النخيل، المشروع الذي أستهدف الف مزارع نخيل يهدف بدرجة أساسية إلى زيادة إنتاجيّة وجودة وتنوع محاصيل التمر في حضرموت وذلك من خلال تدريب مزارعين التمر على الطُرق الحديثة لزراعة النخيل وزيادة إنتاجها من التمور ومكافحة الآفات والأمراض النباتية التي تصيب أشجار النخيل لاسيما سوسة النخيل الحمراء وكذا الطرق الحديثة لجمع وتخزين المحصول وتسويقه لزيادة أرباحهم فضلًا عن بناء القدرات الإدارية لجمعيات مزارعين النخيل ودعم مشاتل النخيل.

خلال تدشين معرض البُن والتمر كشف الوزير السقطري عن مشاريع قادمة واستراتيجيات وطنية تستهدف النخيل كان أبرزها الاستراتيجية الوطنية لوقاية النبات والتي تشمل إقامة حملات وقائية وإرشادية على نطاق واسع تستهدف الآفات النباتية خاصة التي تَضر النخيل فضلاً عن تأهيل شامل لكل المحاجر النباتية في المنافذ البرية والبحرية والجوية لبلادنا بحيث يتم منع الآفات النباتية من دخول بلدنا خاصة تلك التي تُهلك النخيل، فضلًا عن إطلاق مشروع قادم لتعزيز البنية التحتية للري بتكلفة سبعة ملايين وثمانمائة ألف دولار أمريكي في وادي حجر بحضرموت بينما ضعف هذا المبلغ يتم فيه حاليًّا إقامة بنية تحتية مائية حقيقية في أودية محافظتي لحج وتعز، بالإضافة إلى توزيع عشرة الف فسيلة نخيل وإنشاء معامل لتغليف التمور تسعى الوزارة لتنفيذه بالشراكة مع الجهات الداعمة ضمن خطتها لهذا العام.