تشهد الساحة الوطنية اليوم حالة من الاستنفار المحموم للقوى المعادية للمشروع الجنوبي في محاولة بائسة للنيل من المكتسبات التي حققها شعبنا بدمائه وتضحياته الجسيمة، سواء في ميادين القتال أو في ساحات النضال السلمي. إن القراءة الدقيقة للمشهد العسكري والسياسي الراهن تكشف عن مفارقات عجيبة تضعنا أمام تساؤل مصيري: هل لا تزال بوصلة هذه القوى تتجه نحو صنعاء، أم أن "البوصلة" قد تم حرفها عمدًا باتجاه عدن وحضرموت وشبوة وبقية محافظات الجنوب المحرر

من خلال رصد المعطيات الماثلة على الأرض، يمكننا استعراض الحجج والأدلة التي تؤكد أن النوايا تضمر ما هو أبعد من "التحرير" المزعوم إلى استنهاج ما يعزز ذلك من خلال ما يلي:

1 . استراتيجية "الجمود الممنهج" في جبهات الشمال.

منذ سنوات، دخلت جبهات الشمال فيما يشبه "البيات الشتوي" أو التجميد غير المعلن. لم تعد المعارك هناك تهدف إلى كسر شوكة الانقلاب أو استعادة صنعاء عاصمة الانقلاب كما يسمونها بل تحولت إلى حالة "استاتيكية" مريبة. هذا الحفاظ على خطوط التماس الحالية يثير تساؤلات مشروعة حول الأهداف الحقيقية؛ فإذا لم تكن الرغبة هي التقدم شمالًا، فإن المستفيد الوحيد هو من يريد إبقاء القوات في حالة "تأهب سلبي" بانتظار الفرصة للانقضاض في اتجاه آخر.

2 . تحشيد القوى العسكرية والإعلامية باتجاه استهداف الجنوب وهذا ما يفسره ضخامة الهجمة الإعلامية على الجنوب تمهيدا لغزوة تحت شعارات جديدة.

في الوقت الذي تعاني فيه جبهات التماس مع الحوثيين من نقص الدعم، نجد تحركات عسكرية وسياسية مكثفة نحو محافظات الجنوب المستقرة عن طريق زعزعة أمن العاصمة عدن بتصدير مسلسل الاغتيالات وخنقها عن طريق إدارة الأزمات ومحاولات عزل المناطق الغنية بالثروات والمواقع الاستراتيجية في شبوة وحضرموت والمنافذ الساحلية. تحت لافتات "إعادة التموضع" أو "تأمين المصالح"، تجري محاولات حثيثة لفرض واقع عسكري جديد يهدف بوضوح إلى إضعاف الحضور الجنوبي وتطويق تطلعات الشعب، مما يعيد للأذهان سيناريوهات ما قبل عام 2015.

3 . حرب الهوية.. محاولات التذويب والالتفاف

لا يقتصر العداء على الجانب العسكري، بل يمتد إلى معركة "الهوية والتمثيل". هناك ضغوط سياسية هائلة تُمارس لتذويب الهوية الجنوبية داخل قوالب سياسية مهترئة، ومحاولات مستمرة لإعادة تدوير القوى التي هيمنت على الجنوب لعقود، ولكن بوجوه جديدة ومظلات تحالفات هشة. إن الهدف هو سلب الجنوب حق تمثيل نفسه، وفرض أجندات لصالح الخارج والداخل المعادية.

4 . "الإرهاب الاقتصادي".. سلاح التركيع الأخير

لقد أصبح الملف المعيشي وتدهور العملة وانهيار الخدمات في عدن وبقية محافظات الجنوب سلاحًا سياسيًّا بامتياز. يُنظر إلى هذا التردي المتعمد كجزء من سياسة "التركيع" لكسر إرادة الشعب الصامد، وتمرير مشاريع سياسية منتقصة لا تحظى بقبول شعبي. إنه "احتلال اقتصادي" يمهد الطريق لسيطرة سياسية كاملة من خلال مقايضة لقمة العيش بالتنازل عن الحقوق السياسية.

وأمام ما يجري هل تنجح قوى الجنوب في حماية المنجز؟

إن المشهد الحالي يؤكد أن الصراع لم يعد بين "شرعية وانقلاب" بالمعنى التقليدي، بل تحول إلى صراع نفوذ يسعى فيه البعض لتأمين موطئ قدم دائم في الجنوب كتعويض عن الفشل الذريع في الشمال.

السؤال الماثل الآن: هل القوى الوطنية الجنوبية قادرة على خلق توازن يحمي مكتسبات 2015؟

الإجابة تكمن في وحدة الصف الجنوبي، والوعي الشعبي بمؤامرات "إعادة الاحتلال"، والتمسك بالمؤسسات العسكرية والأمنية الجنوبية التي ولدت من رحم المعاناة. إن الرهان اليوم هو على قدرة النخبة السياسية الجنوبية في تحويل هذه التحديات إلى فرص لتعزيز السيطرة على الأرض وانتزاع الحقوق، فالتاريخ لا يرحم من يفرط في انتصاراته.