​ونحن ننشد الحوار الوطني الجنوبي في مسيرتنا نحو مرحلة تثبيت الامن والاستقرار في الجنوب عادت الينا بعد يناير 2026  عناصر الإرهاب والتطرف التي جرى دحرها في 2016 وما بعدها في حضرموت وعدن وأبين بالذات بواسطة شباب المقاومة الجنوبية وقوى مكافحة الإرهاب والجيش الجنوبيين .

لقد عانى الجنوب كثيراً في حقبة الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح الذي أتقن توظيف ورقة التطرف والإرهاب. فبعد أحداث سبتمبر 2001 والاحتلال الأمريكي لأفغانستان استقبل صالح ما عُرف آنذاك بـ"جيش الأفغان العرب" المكوَّن من نحو 11 ألف مقاتل من الفارين من جحيم الحرب إذ تم استقباله بتنسيق تام مع القيادي في حزب الإصلاح "جماعة الاخوان المسلمين" الجناح العقائدي  والذي عرف ب"الأب الروحي" لتنظيم القاعدة، الشيخ عبدالمجيد الزنداني وبإشراف وتنسيق مع رئيس جهاز الأمن السياسي غالب القمش وبتوجيه من الرئيس صالح. حسب تصريحات مسئولين سابقين.

بعد ذلك جرى توزيع تلك العناصر على وحدات الجيش اليمني وأجهزة الأمن. وقد أجاد الرئيس صالح استخدام هذه القوى بدءاً من تكليفها بعمليات الاغتيالات التي طالت شركاء الوحدة من قيادة الحزب الاشتراكي الجنوبيين ثم توالت الحوادث الإرهابية اعمال التخريب  والاختطافات التي طالت السُّواح الأجانب ولم يكد عدن وأبين يهدآن حتى تبرز أعمال إرهابية جديدة هنا وهناك. كما شهدت تلك المرحلة تأسيس جيش عدن ابين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب وأنصار الشريعة والتي ارتبطت عملياً بمحافظات مثل أبين وحضرموت وعدن وكانت تُدار من "مطابخ" الأمن السياسي وبإشراف مباشر من صالح.

ولمن عاش تلك الحقبة شهدنا عمليات الدمار التي طالت مناطق واسعة في الجنوب وكان لأبين نصيبٌ وافر من القتل والتخريب للمنشآت والمؤسسات. لقد كانت تلك العناصر أداة قوية لضرب الخصوم السياسيين وإرهابهم.

كيف يستبيح من يدّعي تبنّي الإسلام - الذي عُرف بالتسامح وتحريم المساس بالروح البشرية - دماء الأبرياء بهذه الوحشية؟

والإجابة في تقديري  أن ذلك لا يُعدّ شأناً دينياً بقدر ما هو عمل استخباراتي وفكري وسياسي معقّد؛ يُصاغ بعيداً عن جوهر الإسلام ثم تُجرى عملية غسل أدمغة الشباب حتى يتحوّلوا إلى آلة قتل تُوجَّه عن بعد لخلق بؤر توتر وقلاقل في بلدٍ ما بما يوفّر ذريعة للتدخل الأجنبي - كما جرى في أفغانستان.

حيث ُجرت عمليات إعداد وترتيب وتأهيل وتسليح الشباب تحت ذريعة مكافحة الشيوعية ووسمهم بـ "لمجاهدين"، وما إن انتهت “مهمتهم” حتى صنَّفت تلك الجماعات بالإرهابية ولوحقت بينما أصبحت هي نفسها ذريعة لغزو سياسي و عسكري غربي لأفغانستان عام 2001.

عندما "قلب العالم" لهؤلاء المموّلين (المدعومين ) ظهر المجن خوفاً من غضب أمريكي محتمل،  فتح صالح أبواب صنعاء أمامهم على مصراعيها وأجاد اللعب بهذه الورقة لابتزاز دول المنطقة وللضغط على الحراك السلمي الجنوبي بدرجة أولى.

لكن ما لم يدركه "أهل المصلحة" أو "كهنة التحالف" أن اللعب بهذه الورقة ليس أمراً سهلاً؛ فهي تُشكّل خطراً على كل من يقترب من هذه القوى الشيطانية فكراً وتنظيماً.

فلم يسلم منها الرئيس "المؤمن" أنور السادات حين تحالف معهم وأطلق العنان لهم لتصفية القوى اليسارية والناصرية بدرجة أولى. ثم جاء صالح مثالاً حياً عندما تحولت تلك القوى إلى خصمٍ له شخصياً، بعد أن كانوا ذراعه الأيمن ضد الحزب الاشتراكي والحراك الجنوبي وكل قوى اليسار.

وكانت حادثة "مسجد النهدين" خير شاهد؛ إذ استهدف فيها صالح وعانى من تبعاتها الصحية وتفحم جسده حتى بقي عليلاً طيلة بقية حياته، قبل أن تنقض  تلك القوى على نظام حكمه في 2011 وتتركه "بطة عرجاء" ولقمة سائغة لجماعة الحوثي. وهم الخصوم التاريخين لصالح  لتبدأ مرحلة جديدة سيطر فيها الحوثيون على المشهد واكملوا ما تبقى من نفس في جسم صالح العليل في ديسمبر 2017 حين مزقوا جسده اربا وطوا مرحلة امتدت لقرابة أربعة عقود - ظل يرقص فيها على رؤوس الثعابين - انتهت بمشهد "دراماتيكي" حزين.

تلك الجماعة - التي عُرفت عبر تاريخها الأسود بأنها  "بندقية للإيجار" - عادت اليوم لتعيث فساداً في مسرح الجنوب المضطرب واستئناف مسلسل الاغتيالات للشخصيات الاجتماعية والسياسية بل وحتى لرجال الدين المعتدلين.

وما يغيب عن بال من يلعب بهذه الورقة اليوم هو استخلاص الدروس والعبر من تجارب الآخرين. ومن المؤكد أن عودة عناصر الإرهاب إلى المسرح الجنوبي ستُثير الكثير من القلاقل والفوضى، خصوصاً مع انتشار السلاح وضعف الأجهزة الأمنية المخترقة أصلاً، ناهيك عن شيوع الفساد والمجاعة والبطالة. وهذه عوامل ستؤجج وتؤدي إلى نشر أعمال الإرهاب والفوضى، وهي المقدمة الضرورية لتدخل أجنبي يتحفز لتفكيك أوصال الدولة والمجتمع كما حدث في العراق وليبيا، بما يتيح له نهب ثروات البلد وتدمير آثاره وتاريخه.

والأهم أن التدخل الأجنبي لم يعد يستهدف الجنوب واليمن وحدهما؛ بل أصبحت منطقة الخليج والجزيرة ضمن أجندة التغيير والتقسيم والتدمير في مخطط لم يعد خافياً على كل من لديه بصيرة.