• الحلقة الأولى: (بين التعاون الفني والسيادة الوطنية) 
لم تعد الاتفاقيات الجيولوجية في العصر الحديث مجرد أدوات للتعاون العلمي أو تبادل الخبرات الفنية بين الدول بل تحولت إلى أحد أهم مفاتيح الأمن الاقتصادي والسيادة الاستراتيجية خصوصا مع تصاعد أهمية المعادن النادرة والطاقة والموارد الطبيعية المرتبطة بالصناعات الحديثة والاقتصاد العالمي.. وفي هذا السياق برزت مذكرة التفاهم الأخيرة المتعلقة بالتعاون الجيولوجي و الاستكشافي بين الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السعودية و التي أجيز التوقيع عليها من قبل مجلس الوزراء السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين وولي العهد السعودي مع تكليف الوزير المختص بإتمام إجراءات التوقيع والتباحث مع الجانب اليمني.. غير أن الإشكالية القانونية و السياسية في هذه المذكرة لا تتعلق بمبدأ التعاون ذاته إذ إن التعاون الجيولوجي بين الدول أمر معمول به دوليا بل تتعلق بطبيعة الظرف اليمني الراهن وحدود المشروعية الدستورية في ظل غياب فعلي لمجلس النواب وتعطل الدور الرقابي والتشريعي بصورة طبيعية.

الجيولوجيا الحديثة لم تعد مجرد علم للأرض بل أصبحت علما للثروة والسيادة والمعلومات الاستراتيجية.. إن الخرائط المعدنية و نتائج المسوحات الزلزالية وقواعد البيانات المتعلقة بالمياه الجوفية والثروات الباطنية تعد في الفقه القانوني والاقتصادي المعاصر جزءا من الأمن السيادي للدول.. ومن هنا فإن أي تبادل لتلك البيانات أو فتح آفاق استثمارية مرتبطة بها يثير تساؤلات قانونية مشروعة حول.. حدود الاختصاص التنفيذي.. مدى الحاجة للرقابة التشريعية.. طبيعة الالتزامات الناشئة عن مذكرة التفاهم.. وآثارها المستقبلية على الثروة الوطنية اليمنية.. ومن المبادئ المستقرة في القانون الدستوري أن السيادة للشعب وأن السلطة التنفيذية لا تملك التصرف المطلق في الموارد السيادية أو إنشاء التزامات استراتيجية طويلة الأمد دون المرور عبر القنوات الرقابية والدستورية اللازمة.. صحيح أن الظروف الاستثنائية قد تبرر استمرار السلطة التنفيذية في إدارة شؤون الدولة استنادا إلى مبدأ الضرورة إلا أن هذا المبدأ لا يفتح الباب بلا حدود أمام التوسع في الالتزامات السيادية أو تمرير ترتيبات بعيدة الأثر خارج الإطار التشريعي.. إن الضرورة في الفقه الدستوري استثناء ضيق لا يجوز تحويله إلى أصل دائم للحكم أو بديلا عن المؤسسات الدستورية.. وفي الحالة اليمنية تحديدا تزداد حساسية الموضوع بالنظر إلى الانقسام المؤسسي.. غياب الانعقاد الطبيعي لمجلس النواب.. ضعف أدوات الرقابة العامة.. وعدم نشر النصوص الكاملة للمذكرة للرأي العام.. وهنا يظهر السؤال الجوهري.. هل ما جرى يدخل في إطار التعاون الفني المؤقت أم أنه يمثل بداية انتقال نحو ترتيبات ذات أثر اقتصادي و سيادي أوسع؟.. الإجابة القانونية الدقيقة لا يمكن أن تكون قطعية في ظل غياب النصوص الكاملة للمذكرة لكن التجارب الدولية المقارنة تؤكد أن كثيرا من مذكرات التفاهم التي تبدأ بطابع فني تتحول لاحقا إلى أدوات ذات أثر استثماري و سيادي كبير.. وفي القانون الدولي لا تكمن العبرة دائما في تسمية الوثيقة بأنها (مذكرة تفاهم) أو (اتفاقية) بل في مضمونها الفعلي و آثارها العملية.. فإذا تضمنت مثلا.. تبادل بيانات استراتيجية أو ترتيبات استثمارية.. أو منح أفضلية مستقبلية.. أو حقوق استخدام طويلة الأمد.. فإنها تقترب من طبيعة الالتزامات السيادية حتى وإن لم تسم رسميا معاهدة دولية.. ولذلك فإن النقاش القانوني لا ينبغي أن ينحصر في مجرد التوقيع بل في طبيعة البيانات المتبادلة حدود استخدامها.. آليات الرقابة عليها.. والضمانات الوطنية المرتبطة بحمايتها...إن الخطر الحقيقي في مثل هذه الملفات لا يكمن دائما في النصوص المعلنة بل في ما قد يترتب عليها مستقبلا من تأثير على قرارات الاستثمار

أو منح امتيازات التعدين.. أو إعادة تشكيل السيطرة على المعلومات السيادية المتعلقة بالموارد الطبيعية.. ولذلك فإن الدول المستقرة عادة ما تخضع مثل هذه الترتيبات إلى.. رقابة تشريعية.. مراجعات فنية مستقلة.. ونشر علني للوثائق ذات الأثر السيادي.. أما في البيئات الهشة أو المنقسمة مؤسسيا فإن أي غياب للشفافية يفتح الباب أمام التساؤلات المشروعة حول مدى سلامة المسار الدستوري والقانوني . 
  • الحلقة الثانية: (بين شرعية الضرورة وغياب الرقابة التشريعية) 
أثارت مذكرة التفاهم الجيولوجية بين اليمن والسعودية تساؤلات عميقة لا تتعلق فقط بالتعاون الفني أو الاقتصادي بل بطبيعة الشرعية الدستورية التي تستند إليها مثل هذه الترتيبات في ظل تعطل مؤسسات الدولة اليمنية وفي مقدمتها مجلس النواب.. لأن الأصل في الأنظمة الدستورية أن الاتفاقيات ذات الطابع السيادي أو الاقتصادي أو المرتبط بالثروات الطبيعية تخضع لرقابة وموافقة السلطة التشريعية باعتبارها ممثلة للإرادة الشعبية وصاحبة الولاية في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.. غير أن اليمن يعيش منذ سنوات حالة استثنائية معقدة تتداخل فيها الحرب 
  • والانقسام المؤسسي.. وتعدد مراكز القوة 
وضعف فعالية المؤسسات الدستورية التقليدية وفي مثل هذه البيئات يظهر ما يعرف في الفقه الدستوري بـ (حكم الضرورة) أو(الشرعية الوظيفية) حيث تستمر السلطات القائمة في إدارة الحد الأدنى من شؤون الدولة رغم تعطل بعض المؤسسات؛ لكن الإشكالية الكبرى هنا تكمن في حدود هذا المبدأ إن الضرورة لا تنشئ اختصاصا دستوريا جديدا ولا تمنح السلطة التنفيذية تفويضا مطلقا للتصرف في الملفات السيادية دون قيود بل إن الفقه القانوني المقارن يضع ثلاثة ضوابط أساسية أن يكون الإجراء مؤقتا وأن يكون ضروريا لاستمرار الدولة وألا يتحول إلى التزام دائم يمس السيادة أو الثروة العامة دون رقابة لاحقة.. ومن هنا تبرز نقطة جوهرية. هل أصبحت حالة الضرورة في اليمن مبررا دائما لتجاوز المسار الدستوري الطبيعي؟.. فعندما تغيب الرقابة البرلمانية لسنوات طويلة و تبرم تفاهمات ذات طابع استراتيجي دون مراجعة تشريعية أو نشر علني كامل فإن الأمر لا يعود مجرد إدارة مؤقتة للأزمة بل يقترب من إعادة تشكيل فعلية لمنظومة السلطة و القرار.. و يزداد هذا الجدل تعقيدا مع وجود قوى سياسية وعسكرية فاعلة على الأرض من بينها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي لعب دورا محوريا في إعادة رسم موازين القوة داخل الجنوب وخارجه.. وقد نظر البعض إلى مواقف المجلس الانتقالي من المؤسسات القائمة باعتبارها محاولة لخلق توازن سياسي و حقوقي في ظل اختلالات المشهد اليمني بينما اعتبر آخرون أن أي تعطيل للمؤسسات الدستورية أو تجاوز لمسار الدولة يمثل خروجا عن مشروع الشرعية التقليدية.

غير أن التوصيف القانوني الدقيق لا يمكن أن يبنى على المواقف السياسية وحدها بل على تحليل طبيعة الواقع نفسه.. ففي البيئات المنقسمة غالبا ما تنشأ ما يعرف بـ (شرعية الأمر الواقع) وهي شرعية وظيفية مؤقتة تفرضها السيطرة الفعلية و القدرة على الإدارة لكنها لا تعني بالضرورة اكتمال الشرعية الدستورية.. ومن ثم فإن ما جرى ويجري في اليمن يمكن توصيفه قانونيا بأنه..

تداخل بين شرعية دستورية معطلة جزئيا وشرعية أمر واقع فرضتها ظروف الحرب والانقسام ضمن مسار سياسي انتقالي لم يكتمل بعد وهذا ما يجعل أي اتفاق أو مذكرة تفاهم ذات طبيعة سيادية عرضة للتساؤل حول مدى كفاية التفويض التنفيذي وحدود سلطة التوقيع ومدى الحاجة إلى رقابة شعبية وتشريعية لاحقة ولا يقتصر الأمر على اليمن وحده بل إن التجارب الدولية المقارنة أظهرت خطورة التوسع في مذكرات التفاهم غير الخاضعة للرقابة؛ ففي عدد من الدول تحولت تفاهمات أولية في مجالات التعدين والطاقة إلى التزامات استثمارية ضخمة أو ترتيبات دائمة لاستغلال الموارد.. أو وسائل نفوذ اقتصادي طويل الأمد.. ولذلك أصبحت بعض الأنظمة القانونية الحديثة تعتبر البيانات الجيولوجية والمعلومات التعدينية جزءا من الأمن الاقتصادي والسيادة المعلوماتية للدولة.. لأن السيادة لم تعد مرتبطة فقط بالأرض والحدود، بل أيضا بالسيطرة على المعلومات والخرائط

وقواعد البيانات الاستراتيجية ومن يملك المعلومة الدقيقة يملك أفضلية التفاوض والاستثمار والاستغلال مستقبلا ولذلك فإن أي نقل أو تبادل واسع للبيانات دون ضوابط صارمة قد يؤدي إلى ما يمكن وصفه قانونيا (بالانتقاص غير المباشر من السيطرة السيادية على المعلومات الاستراتيجية) وهو ما يستوجب الشفافية والمراجعة المؤسسية والرقابة الوطنية خصوصا في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد. 
  • الحلقة الثالثة: (الاتفاقيات الدولية المقارنة ومألات المرحلة القادمة) 
تكشف التجارب الدولية أن الاتفاقيات الجيولوجية و التعدينية ليست مجرد أدوات تعاون فني بريئة بل غالبا ما تكون مدخلا لإعادة تشكيل النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي بين الدول ولهذا فإن القانون الدولي المعاصر يتعامل بحساسية شديدة مع الملفات المرتبطة بالموارد الطبيعية والبيانات الجيولوجية .

ومن أبرز الأمثلة الدولية..(اتفاقية المنطقة المشتركة بين السعودية والكويت المتعلقة بالنفط والغاز و الاستكشافات المشتركة)..(اتفاقية الموارد البحرية المشتركة بين السعودية والسودان في البحر الأحمر والتي شملت مشاريع استغلال المعادن البحرية مثل مشروع أطلانتس) و(اتفاقية بحر تيمور بين أستراليا و تيمور الشرقية والتي تحولت إلى نموذج عالمي للجدل حول اختلال ميزان القوة والسيادة على الموارد والبيانات)..(اتفاقيات التعاون التي أبرمتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية مع دول إفريقية وآسيوية في مجالات الخرائط المعدنية والمسوحات الزلزالية والمياه الجوفية)..(اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تعد المرجعية الدولية الأساسية في تنظيم الحقوق المتعلقة بالاستكشافات البحرية و الجرف القاري والموارد العابرة للحدود) وجميع هذه النماذج تكشف حقيقة مهمة..(أنه كلما ارتفعت القيمة الاستراتيجية للبيانات والموارد ارتفعت الحاجة إلى الرقابة التشريعية الشفافية وضبط حدود استخدام المعلومات السيادية.. وفي الدول المستقرة مؤسسيا تخضع مثل هذه الاتفاقيات عادة إلى مناقشات برلمانية مراجعات قانونية وفنية وتدقيق عام قبل التنفيذ الكامل أما في الدول التي تمر بظروف نزاع أو ضعف مؤسسي فإن الإشكال لا يكون في مبدأ التعاون ذاته، بل في توقيت الاتفاق غياب التوازن المؤسسي وضعف الرقابة الوطنية وعدم وضوح حدود الالتزامات المستقبلية وفي الحالة اليمنية تحديدا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مذكرة التفاهم الحالية بل في ما قد يليها من اتفاقات تنفيذية ترتيبات استثمارية أو تبادل موسع للبيانات الجيولوجية والمعلومات الاستراتيجية وكثير من مذكرات التفاهم تبدأ بصيغة عامة وغير ملزمة ثم تتحول تدريجيا عبر التنفيذ العملي إلى التزامات اقتصادية أو مسارات استثمارية أو علاقات نفوذ طويلة الأمد وفي القانون الدولي لا تقاس قوة الالتزام فقط باسم الوثيقة بل بطبيعة التنفيذ وبدء المشاريع ومدى الاعتماد المتبادل بين الأطراف ومن هنا فإن أي غياب للرقابة المؤسسية أو البرلمانية في اليمن يفتح الباب أمام إشكالية جوهرية من يملك حق التصرف بالمعلومات السيادية والثروات الوطنية في ظل غياب التفويض الشعبي الكامل؟

وهنا لا بد من التمييز بين التعاون الدولي المشروع.. وبين التوسع غير المنضبط في الالتزامات ذات الأثر السيادي، إن الدولة الحديثة لا تحمي الأرض فقط بل تحمي أيضا بياناتها وخرائطها ومعلوماتها الاقتصادية والاستراتيجية؛ لأن المعلومة في عصر الموارد النادرة أصبحت شكلا من أشكال القوة والسيادة ومن ثم فإن حماية المصلحة الوطنية اليمنية تقتضي مستقبلا وإعادة تفعيل المؤسسات التشريعية والرقابية ونشر الاتفاقيات ذات الأثر السيادي للرأي العام وإخضاع الملفات الاستراتيجية لمراجعات فنية و قانونية مستقلة ووضع حدود واضحة لاستخدام البيانات والمعلومات السيادية.. إن الإشكالية الحقيقية ليست في التعاون مع الدول الشقيقة أو الصديقة بل في ضمان أن يتم ذلك ضمن إطار دستوري واضح، ورقابة وطنية كافية وتوازن يحفظ حق الأجيال القادمة في الثروة والسيادة والمعلومة وفي نهاية المطاف تبقى السيادة ليست مجرد حدود جغرافية بل قدرة الدولة على حماية قـــرارها الوطني و ثروتها و معلوماتها الاستراتيجية ضمن نظام دستوري ومؤسسي متوازن.