> «الأيام» محمد النجار:

للعسل اليمني تاريخ ضارب في القِدم ، حيث رَجّحت كُتب التاريخ أن أصول إنتاجه في بلادنا ترجع إلى ما قبل ثلاثة الآف عام وتحديدًا في القرن العاشر قبل الميلاد، ولأهميته الغذائية والاقتصادية حافظت عليه الأجيال، وصانت طرق إنتاجه ابتدائًا بتربية النحل ومعرفة مواعد تكاثره ورعاية طوائفه والحفاظ عليه حتى استخراج العسل وبيعه وتسويقه للناس، فلقد صار هذا السائل الذهبي موجود في كل بيت يمني على امتداد الخارطة اليمنية. 
  • سر تميز العسل اليمني عالميًا 
يُعد العسل اليمني من أجود أنواع العسل في العالم وأغلاها ثمنًا. ويكمن السر في ذلك في طبيعة الأرض التي تنمو فيها الأشجار التي يرعى فيها النحل ويجني منها طعامه. ونتيجةً للمردود الاقتصادي الذي يعود على النحالين عند بيعهم لإنتاجهم من العسل والشمع، ازدادت أعدادهم وتضاعف إنتاجهم من العسل جيلًا بعد جيل.


وقد قابل ذلك زيادة في الطلب عليه داخليًا وخارجيًا. فلقد استشعر اليمنيون فوائد العسل الطبية والغذائية حتى صار له مكانة في قلوبهم، فاستخدموه غذاءً ودواءً ومصدرًا للرزق في آنٍ واحد. 
  • نِسَب وأرقام 
يوجد في اليمن نحو 100 ألف نحّال، ينتجون ما يقارب 1.580 طنًا من العسل سنويًا يُصدّر منها للأسواق الدولية 840 طنًا وفقًا لتقرير الأمم المتحدة لعام 2020، وعلى الرغم من التحديات التي تواجه إنتاج العسل إلا أنه لا يزال يحظى بسمعته العالية عند سكان الدول التي يُصدّر إليها وبالأخص دول الخليج العربي وأوروبا وأمريكا وكندا واليابان وكوريا الجنوبية.

صحيح أن تربية النحل منتشر في مختلف أرجاء اليمن إلا أنّ هناك مناطق اشتهرت بإنتاج العسل بل صار يسمى بأسماء تلك المناطق، ورغم هذا اختلفت أنواع العسل بناء على طبيعة وتضاريس الأرض وأزهار وثمار الأشجار التي يرعى فيها النحل ، أما جودته يتم تحديدها وفق نوع الأشجار والمنطقة التي يرعى فيها النحل ويجني منها طعامه. 
  • أنواع ومناطق إنتاج العسل 
ينقسم العسل اليمني إلى أنواع عديدة أشهرها عسل السدر وهو أجودها قيمةً غذائية وأغلاها ثمناً، يَليه عسل السُمر (الطلح)، الصال (الأثل)، السلام، الجبلي،والمراعي، أما المناطق الأكثر إنتاجًا للعسل فهي حضرموت والتي احتلت المرتبة الأولى من حيث كمية

إنتاج العسل، تليها شبوة وأبين والحديدة. 
  • مخاطر تنذر بتراجع إنتاج العسل 
لم تسلم تجارة العسل اليمني من تداعيات الحرب المشتعلة منذ أحد عشر عامًا، فبعد أن كان واحد من السلع الاستراتيجية الخمس التي أعلنت عنها الحكومة اليمنية، تراجع إنتاجه وتسويقه محليًا بشكل لافت، حتى كمية تصديره للخارج تراجعت إلى النصف، في أرقام تبعث على القلق إذا استمر الوضع دون وجود معالجات جذرية. 
  • أسباب تراجع إنتاج العسل 
خلّفت الحرب معاناة للنحّال اليمني، فلقد قُيّدت رحلة تنقّله من مكان إلى آخر برفقة خلايا نحله بحثًا عن مراعي جديدة لتغذية نحله، عَسكرة بعض المناطق وانتشار مئات الآلاف من الألغام كانت السبب وراء ذلك، التغيرات المناخية أَلقت بضلالها أيضًا فلقد جرفت سيول الأمطار خلايا النحل المنتشرة في الأودية وأَضَرّت بأزهار الأشجار قبل أن يجني النحل رحيقه منها بينما أَمتص الجفاف الحياة من الزهور، مراعي النحل هي أيضًا أصبح كثيرٌ منها غير ملائم لرعي النحل بسبب رش المبيدات بصورة عشوائية، والمتبقي منها أصبح مهدد بالتناقص بسبب الاحتطاب بغرض طهي الطعام على الحطب.

العسل هو الآخر لديه انتكاساته فالوضع الاقتصادي المتردي لعب دورًا في عزوف المواطنين عن شرائه، بينما المراكز والمختبرات المتخصصة بتطوير العسل قليلة بالمقارنة بهذا الثروة القومية، أما تصدير العسل اليمني يتواصل على استحياء نتيجة غياب وسائل التعليب المعمول بها عالميًا والحاجة إلى مواد التغليف وضعف العلامات التجارية، ويبقى الذهب السائل بحاجه إلى من ينهض به بعد سنوات من الركود. 
  • حركة متنامية تضج بالأمل لتنمية العسل وإبرازه عالميًا 
مع كل المخاطر التي تهدد العسل اليمني بسبب الحرب والتغيرات المناخية هناك حركة مُتنامية تَضج بالأمل لإعادة وهج العسل اليمني من جديد، فلقد عكفت قيادة وزارة الزراعة والري والثروة السمكية وعلى رأسها الوزير سالم السقطري خلال الست السنوات الماضية على حشد تمويلات المانحين نحو المشاريع الزراعية ذات الاستدامة والتي تُرجمت في مصفوفة مشاريع استهدفت مراعي النحل والنحّالين وجمعياتهم وحتى العسل.

الآلاف من النحالين تلقو خلال السنوات الماضية دعمًا تقنيًا وماليًا ساهم في زيادة خلايا النحل التي يمتلكوها ومضاعفة إنتاجهم من العسل إضافة إلى مساعدتهم في تسويق منتجاتهم عالميًا من خلال تدريبهم على الطرق الحديثة لحفظ وتعليب العسل بل وعمل مركز لصادرات العسل بحضرموت مستوحى من المراكز العالمية، كما أن عشرات الآلاف من أشجار السدر تم غرسها أيضًا في المحافظات المنتجة للعسل مما عزز من نشاط تربية النحل وأطلق العنان لتحسين دخل النحالين ودعم الاقتصاد اليمني.


لأن تطوير إنتاج العسل يتطلب إنشاء مراكز للنحل قامت وزارة الزراعة والري بإنشاء مركز وطني للعسل وتربية النحل في العاصمة عدن والذي مثّل طَفرة في النهوض بهذه الثروة القومية تحسب للوزير السقطري ، سيعمل هذا المركز جنباً إلى جنب مع مراكز أخرى تم تأهيلها مؤخراً تحتوي على مختبرات ومعامل لإنتاج العسل في محافظات لحج وأبين وحضرموت والضالع فضلاً عن إنشاء مختبر متطور للعسل في المختبر المركزي البيطري بعدن.

بعد جهد طويل نجحت الوزارة في إصدار العلامة التجارية والمؤشر الجغرافي لكلٍ من البُن والعسل اليمنيين لدى المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) وذلك بعد تقديم الوزارة كافة الإجراءات الكفيلة بذلك إلى منظمة (الويبو) ليتسنى توثيقهم كمؤشرات جغرافية محمية لدعم مُنتجين ومُصنّعين البن والعسل وحماية منتجاتهم من الغش التجاري في الأسواق العالمية وكذا زيادة أرباحهم وتعزيز القيمة التسويقية لهم محليًا وعالميًا.

لان تنمية مراعي النحل بحاجة لبُنية تحتية مائية تستغل مياه الأمطار وتمنع هدرها قامت قيادات الوزارة بتوجيه تعهدات المانحين نحو بناء وتأهيل السدود والقنوات المائية كان للمحافظات المنتجة للعسل النصيب الأكبر من تلك التدخلات والتي قُدرت ميزانيتها بمئات ملايين الدولارات وبالأخص وادي حسان في أبين ووادي تبن في لحج ووادي حجر في حضرموت.

أُغلق الستار مؤخرًا مؤذنًا بانتهاء فعاليات المهرجان الوطني الأول للعسل في عدن والذي شكل تظاهرة احتفالية صنعتها الوزارة لجمع شمل النحالين وتُجار العسل من مختلف المحافظات اليمنية لعرض وإبراز كل أنواع العسل وطُرق تربية النحل وعكس تجربة للزائر تحكي قصة النحال لإنتاج عَسله مُنذ بداية رحلته في تربية النحل بين المراعي والوديان وحصد المحصول والتجول به بين المحافظات والحدود لبيع ذاك السائل الذهبي الذي يقص علينا تاريخنا اليمني الممتد مُنذ آلاف السنين.

ويبقى طريق التنمية الزراعية مستمر باستمرار مِهنة النحّال حيث يتحول الرحيق إلى عسل ذهبي وتتحول أحلام النحالين إلى واقع ملموس.