كلما اتسعت الهوة بين النخب الشمالية المأزومة، وتعمقت صراعاتهم البينية التي وصلت حد الاقتتال والتخوين، تطفو على السطح مفارقة مثيرة للغثيان؛ إذ تذوب كل خلافاتهم"المبدئية" فجأة، ويصطفون كبنيان مرصوص في خندق العداء الأعمى والممنهج ضد شعب الجنوب وقضيته العادلة. إنه تحالف"الخصوم الأعداء" الذين لا يجمعهم سوى الحقد المشترك على جغرافيا رفضت ابتلاعهم، وهوية استعصت على الطمس والتبديد.

تنضح وسائل الإعلام اليوم بنماذج صارخة لهذا السقوط الأخلاقي والسياسي؛ فمن عادل المكنى بـ "الشجاع" الذي يتباكى على أطلال أوهامه نافيًا بوقاحة مفرطة في لقاء( مع بود كاست اليمن ) وجود قضية جنوبية من الأساس، إلى الوزير الرويشان ومنه إلى السفير والوزير السابق العمراني الذي يقتات على إرث الفساد، وصولًا إلى جوقة من الأبواق المأجورة التي استمرأت التزييف والارتزاق، فباتت تُشخصن مصائر الشعوب، وتتناول قضية وطن من زوايا مناطقية ضيقة تفوح منها نتانة الأحقاد الدفينة.
  • مركز صنعاء وأكذوبة الحياد
لم يكن غريبًا، وإن كان مدعاة للازدراء الشديد، أن يطل علينا من يسمى "باحثًا أول" في مركز صنعاء للدراسات، ليمارس طفولته السياسية وانتهازيته الفجة في التعاطي مع قضية بحجم وطن. إن هذا السقوط السطحي وغير المهني يكشف عورات مركزٍ يدعي زورًا الحصافة والأمانة الأكاديمية، بينما يتحول منتسبوه إلى مجرد أدوات لتمرير أجندات سياسية مشبوهة.

إنه لمن المخجل والمعيب – بل ومنتهى الوقاحة – أن يجتزئ المدعو "عبد الغني الإرياني" قضية شعب حي، ضحى بقوافل من الشهداء، ليختزلها في مجرد "أطماع لحفنة من نظام فاسد على أراضٍ في الجنوب وانتهت!". هذا الاستخفاف البليد لا ينم إلا عن عقلية استعلائية استعمارية لا تزال تنظر للجنوب كـ"فيد" وعقار متنازع عليه.

ولم يتوقف الهذيان عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى ربط القضية بصراع عام 1986م في محاولة بائسة ومثيرة للاشمئزاز لذر الرماد في العيون، وتزييف التاريخ. ونحن هنا لا نذكر أحداث 86 إلا لكونها الطعنة الغادرة والمنزلق الرئيسي الذي استغلته قوى الفيد الشمالية لجرّ الجنوب إلى فخ ضياع الدولة والوقوع تحت سياط احتلال صيف 94 الأسود؛ لذا، نوجّه صَفعةً حاسمة لهذا الباحث ولأسياده.

إن شعب الجنوب الأبي، الذي انتزع حريته بالدم والنار، لا ينتظر من خبيرٍ معلب أو باحثٍ مأجور – مهما تضخمت ألقابه الزائفة – أن يُعرّف له قضيته وفقًا لمقاس أهوائه أو رغبات مموليه أو أماني قواه السياسية المهزومة. فقضايا الأوطان المصيرية يا سيد إرياني، يكتب مضامينها ويعرف حدودها صُنّاعها وفرسانها في الميادين.. لا الخصوم القابعون في غرف الفنادق وصالونات العمالة.

إن قضية الجنوب هي قضية دولة شعب، وتاريخ هوية، وسيادة وطن؛ جذورها ضاربة في أعماق الأرض، وهي أسمى وأصلب من أن تنال منها بهلوانيات التلاعب الأكاديمي الغبي.
  • جبهة الإعلام الجنوبي:
من المؤسف أن يذهب بعضنا مجترا ما يتقيأه هؤلاء ومجاراة من يحاربون شعبنا في مختلف الجبهات ومنها الجبهة الإعلامية وبقدر ما يستدعيه الضمير والواجب الوطني في توجيه السهام الصارمة إلى نحور الخصوم، فإننا نلتفت بمرارة وعتاب حاد إلى بعض من ممتهني الإعلام الجنوبي. حينما نراهم يحرفون البوصلة باتجاهات مؤسفة بل ومخزية باتجاه الصراعات الجانبية والهامشية (الجنوبية - الجنوبية)، والانشغال بالمعارك الصفرية المقيتة، تاركًا الساحة فارغة وعارية للخصوم كي يشمتوا فينا من جهة، ولكي يكثفوا سردياتهم المضللة وأكاذيبهم المسمومة حولنا من جهة أخرى.

إن المعركة اليوم هي معركة وعي وسردية بامتياز؛ والعدو المتربص لا يرحم غفلتنا. لذا، فإن رص الصفوف ودفن الخلافات البينية ليس ترفًا، بل هو واجب وجودي لقطع دابر الألسنة المأجورة، وتحطيم أوهام سدنة التزييف على صخرة الوعي الجنوبي الصلب. فالجنوب وقضيته أقوى من أن تطمسه بلاغة الأجراء أو تدليس الأدعياء والسفهاء.