​ خلال فترة علاجي الأخيرة، وبينما كنت أتنقل بين الفحوصات الطبية والأجهزة التشخيصية الحديثة، لفت انتباهي حجم الاعتماد الذي أصبحت عليه الرعاية الصحية المعاصرة على التكنولوجيا الدقيقة.

فالأجهزة التي تراقب نبضات القلب، وتلتقط صور الأشعة، وتحلل المؤشرات الحيوية، وتساعد الأطباء على اتخاذ القرار، تعتمد جميعها على مكونات إلكترونية بالغة التعقيد لا نكاد نراها. وفي تلك اللحظة ازددت يقيناً بأن الرقائق الإلكترونية ليست مجرد مكونات صناعية تستخدم في الهواتف والحواسيب، بل أصبحت جزءاً من البنية التي تقوم عليها حياتنا اليومية وصحتنا وأمننا واقتصادنا.

ومنذ بضعة أيام، قرأت خبراً عن استعداد الاتحاد الأوروبي لمنح نفسه صلاحيات استثنائية للسيطرة على إمدادات الرقائق الإلكترونية في حالات الطوارئ. عندها بدا واضحاً أن العالم لا يتحدث عن صناعة عادية، بل عن أحد أهم مصادر القوة في القرن الحادي والعشرين.

على مدى عقود طويلة، قدمت أوروبا نفسها بوصفها إحدى أهم القلاع العالمية للاقتصاد الحر، والمدافعين عن حرية التجارة، وحرية انتقال السلع ورؤوس الأموال، واحترام العقود التجارية باعتبارها ركناً أساسياً من أركان الاقتصاد الحديث. غير أن مشروع القانون الأوروبي الجديد الخاص بأشباه الموصلات (الرقائق الإلكترونية) يكشف عن تحول عميق يجري بصمت داخل الفكر الاقتصادي والاستراتيجي الأوروبي.

فالاتحاد الأوروبي لا يكتفي اليوم بدعم صناعة الرقائق أو تشجيع الاستثمار فيها، بل يدرس منح نفسه صلاحيات استثنائية تسمح له بإجبار الشركات على إعادة توجيه إنتاجها، وتجاوز العقود التجارية القائمة، وإعطاء الأولوية لاحتياجات يحددها صانع القرار الأوروبي في حالات الطوارئ.

وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى إجراءً فنياً مرتبطاً بصناعة محددة، لكنه في الواقع يعكس تحوّلاً أكبر بكثير: انتقال العالم من مرحلة "العولمة الاقتصادية" إلى مرحلة "الأمن الاقتصادي".
نهاية وهم الأسواق المحايدة
لوقت طويل سادت قناعة مفادها أن الأسواق العالمية قادرة على توفير الاحتياجات الاستراتيجية للدول بكفاءة أعلى من أي تدخل حكومي. لكن سلسلة من الأزمات المتلاحقة هزّت هذه القناعة.

فجائحة كورونا كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية. والحرب الروسية الأوكرانية أظهرت مخاطر الاعتماد المفرط على مورد واحد للطاقة. أما التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين فقد كشف أن التكنولوجيا لم تعد مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبحت أداة قوة جيوسياسية.

ومن هنا بدأت الحكومات تنظر إلى بعض الصناعات بوصفها أصولاً سيادية لا مجرد قطاعات تجارية.
  • الرقائق الإلكترونية: نفط القرن الحادي والعشرين
إذا كان النفط قد شكّل العمود الفقري للاقتصاد العالمي خلال القرن العشرين، فإن الرقائق الإلكترونية أصبحت تمثل العمود الفقري للاقتصاد الرقمي في القرن الحادي والعشرين.

فالهواتف الذكية، والطائرات، والسيارات، والأنظمة العسكرية، والأجهزة الطبية، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، جميعها تعتمد بصورة مباشرة على أشباه الموصلات.

بل إن الرقائق أصبحت تمثل اليوم ما يمكن تسميته "العصب الإلكتروني للحضارة الحديثة".
  • الخوف الأوروبي من تايوان
ورغم القوة الاقتصادية الأوروبية، فإن القارة لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على آسيا، وخاصة تايوان، في الحصول على الرقائق الأكثر تقدماً.

ومبعث القلق الأوروبي الحقيقي يكمن في قدرة تايوان على انتاج أكثر من 90% من الرقائق المتطورة المستخدمة في التطبيقات الأكثر حساسية وتعقيداً.

فأي أزمة عسكرية في مضيق تايوان، أو أي مواجهة بين الصين والولايات المتحدة، يمكن أن توقف تدفق هذه الرقائق إلى الأسواق العالمية خلال أيام أو أسابيع قليلة.
وفي هذه الحالة قد لا تتوقف مصانع الهواتف والسيارات فقط، بل قد تتعطل قطاعات دفاعية وصحية ورقمية كاملة.

ومن منظور الأمن القومي، لا يمكن لأي دولة أو تكتل اقتصادي أن يقبل بمثل هذا المستوى من الاعتماد الخارجي.
  • عندما تصبح العقود أقل أهمية من الأمن القومي
أخطر ما يكشفه مشروع القانون الأوروبي ليس الغرامات أو الشراء الجماعي، بل المبدأ الجديد الذي يقف خلفه.
ففي الظروف الطبيعية تُعد العقود التجارية مقدسة في الفكر الاقتصادي الرأسمالي.

أما في الظروف الاستثنائية، فإن مشروع القانون يمنح المفوضية الأوروبية حق تجاوز تلك العقود إذا رأت أن الأمن الاستراتيجي مهدد.

وهذا يعكس حقيقة مهمة مفادها أن الدول الكبرى لا تتردد في إعادة تعريف قواعد السوق عندما تشعر أن مصالحها الحيوية معرضة للخطر.

بمعنى آخر، فإن حرية السوق تبقى قائمة ما دامت لا تتعارض مع مقتضيات الأمن القومي.
  • عودة الدولة الاستراتيجية
خلال العقود الماضية تحدث الاقتصاديون كثيراً عن تراجع دور الدولة وصعود دور الأسواق والشركات متعددة الجنسيات. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى اتجاه معاكس تماماً. فالولايات المتحدة تدعم صناعة الرقائق بمئات المليارات من الدولارات، والصين تنفذ أكبر برنامج تكنولوجي سيادي في تاريخها الحديث. واليوم ينضم الاتحاد الأوروبي إلى السباق نفسه.

إننا نشهد عودة ما يمكن تسميته "الدولة الاستراتيجية"، أي الدولة التي لا تكتفي بتنظيم الأسواق، بل تتدخل مباشرة في بناء القدرات الصناعية والتكنولوجية التي تعتبرها ضرورية لأمنها ومستقبلها.
  • ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟
ربما يبدو الصراع على الرقائق بعيداً عن المنطقة العربية، لكنه في الحقيقة يحمل دروساً عميقة. فالاقتصادات العربية تعتمد بدرجات متفاوتة على التكنولوجيا المستوردة، وعلى سلاسل إمداد لا تملك السيطرة عليها. ومع تزايد التنافس الدولي على التكنولوجيا والطاقة والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي، فإن امتلاك الموارد الطبيعية وحده لم يعد كافياً لضمان الأمن الاقتصادي.

لقد أصبح امتلاك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة الصناعية جزءاً رئيساً من مفهوم السيادة الوطنية. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام العالم العربي لا يتمثل فقط في شراء التكنولوجيا، بل في بناء القدرة على إنتاجها أو المشاركة الفاعلة في سلاسل قيمتها العالمية.
  • الأمن الحضاري يبدأ من السيادة التكنولوجية
وربما يكشف هذا التطور الأوروبي حقيقةً أعمق تتجاوز مسألة الرقائق الإلكترونية ذاتها، وهي أن مفهوم الأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقتصر على الحدود والجيوش والقدرات العسكرية، بل أصبح يمتد إلى القدرة على امتلاك المعرفة والتكنولوجيا والتحكم في الأدوات التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية الحديثة.

ومن هذا المنظور، فإن الأمن الحضاري العربي لا يمكن أن يتحقق بصورة كاملة في ظل اعتماد كامل أو شبه كامل على الخارج في إنتاج المعرفة الرقمية، والبرمجيات المتقدمة، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية السحابية.

فالأمم التي لا تمتلك الحد الأدنى من القدرة على إنتاج التكنولوجيا أو التأثير في مساراتها ستظل عرضة لتقلبات القرارات التي تُصنع خارج حدودها، مهما امتلكت من موارد طبيعية أو فوائض مالية.

ولعل المفارقة اللافتة أن أوروبا نفسها، بكل ما تمتلكه من جامعات ومراكز أبحاث وشركات عملاقة، بدأت تنظر إلى اعتمادها على الخارج في مجال الرقائق باعتباره تهديداً استراتيجياً يستوجب تدخلاً حكومياً استثنائياً. وإذا كان هذا هو حال أوروبا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه العالم العربي على نفسه أكثر إلحاحاً: كيف يمكن بناء أمن حضاري مستدام في عصر الذكاء الاصطناعي دون مشروع عربي طويل الأمد للسيادة.
  • المعرفية والتكنولوجية؟
إن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في استيراد التكنولوجيا أو استهلاكها، بل في امتلاك القدرة على إنتاجها وتطويرها والمشاركة الفاعلة في تشكيل مستقبلها.
فكما كانت السيطرة على طرق التجارة ومصادر الطاقة إحدى ركائز القوة في الماضي، فإن السيطرة على المعرفة والتكنولوجيا أصبحت اليوم إحدى أهم ركائز الأمن الحضاري في عالم يتجه بسرعة نحو إعادة توزيع مراكز القوة والنفوذ.

إنَّ مشروع القانون الأوروبي الجديد لا يتعلَّق بالرقائق الإلكترونية فقط، بل يعكس بداية مرحلة جديدة في الاقتصاد العالمي، مرحلة تتقدم فيها اعتبارات الأمن القومي على اعتبارات السوق الحرة، وتتراجع فيها الثقة المطلقة بالعولمة لصالح بناء القدرات الذاتية.

ولعل أهم ما تكشفه هذه التطورات أن العالم يدخل تدريجياً عصراً جديداً يمكن وصفه بأنه عصر "السيادة التكنولوجية"، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الجيوش أو الاحتياطيات المالية، بل أيضاً بالقدرة على التحكم في التكنولوجيا التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية الحديثة.

وفي هذا العالم الجديد، قد تصبح الرقائق الإلكترونية بالنسبة للدول ما كان النفط يمثله في القرن الماضي كمورد استراتيجي يحدد النفوذ، ويعيد رسم خرائط القوة، ويشكل أحد أهم معايير الأمن الحضاري في القرن الحادي والعشرين.