رحل الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، أحد أبرز الوجوه السياسية والعسكرية التي طبعت تاريخ اليمن الحديث، رجلٌ ارتبط اسمه بمرحلة دقيقة من أكثر مراحل اليمن تعقيدا واضطرابا، وظل لعقود طويلة جزءا من المشهد السياسي والعسكري في البلاد.
ولد هادي سنة 1945 في مديرية غدير بمحافظة أبين جنوب اليمن، في بيئة جنوبية بسيطة صنعت شخصيته الهادئة والبعيدة عن الصخب، قبل أن يشق طريقه مبكرا نحو المؤسسة العسكرية.
وهناك، بدأت رحلته الطويلة مع العسكر والسياسة، حين التحق بمدرسة "جيش محمية عدن" سنة 1964، وهي المؤسسة العسكرية التي أنشئت خلال فترة الوجود البريطاني في جنوب اليمن ، وكانت تُعرف محلياً باسم "جيش الليوي".
لم يكن عبد ربه منصور هادي مجرد ضابط عسكري عابر ، بل كان ابن مدرسة عسكرية صارمة صقلت شخصيته ومنحته خبرة واسعة، خاصة بعد تلقيه دورات تدريبية في بريطانيا والاتحاد السوفيتي السابق ومصر ، حيث بقي إلى حدود سنة 1970.
وقد انعكست تلك التجارب على مسيرته التي اتسمت بالهدوء و الانضباط والقدرة على التكيف مع التحولات السياسية العاصفة التي عرفها اليمن لعقود.
برز اسمه بقوة سنة 1986 خلال أحداث جانفي الدامية داخل الحزب الاشتراكي الحاكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ، وهي الأحداث التي شكلت منعطفا خطيرا في تاريخ الجنوب اليمني.
وبسبب مشاركته في تلك الصراعات، صدر بحقه حكم غيابي بالإعدام رميا بالرصاص، كما فُصل من الحزب الاشتراكي ومن مختلف المناصب الرسمية، في واحدة من أقسى المحطات التي عاشها.
غير أن السياسة كثيرا ما تعيد رسم المصائر. فمع قيام الوحدة اليمنية سنة 1990 وولادة الجمهورية اليمنية الموحدة ، عاد عبد ربه منصور هادي إلى الواجهة السياسية من جديد، حين عُيّن مستشارا في المجلس الرئاسي بقيادة الرئيس الراحل علي عبد الله صالح ، قبل أن يصبح لاحقا نائبا للرئيس لسنوات طويلة.
وفي سنة 2012، وجد هادي نفسه في قلب العاصفة ، حين تولى رئاسة اليمن في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، بعد الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بعلي عبد الله صالح ضمن تداعيات ما عُرف بالربيع العربي.
وقد حاول قيادة البلاد وسط تحديات هائلة، بين الانقسامات السياسية، وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة، والانهيار الاقتصادي، والتدخلات الإقليمية المعقدة.
ورغم الجدل الكبير الذي رافق فترة حكمه، فإن كثيرين يرون أن عبد ربه منصور هادي كان رجل مرحلة استثنائية، وجد نفسه أمام ملفات أكبر من قدرات الدولة اليمنية نفسها ، في بلد أنهكته الحروب والصراعات والانقسامات التاريخية.
برحيله، يطوي اليمن صفحة أحد آخر رجال جيل الوحدة والتحولات الكبرى ، رجل عاش بين الجندية والسياسة، وبين النفي والسلطة، وبين الحروب ومحاولات الحفاظ على ما تبقى من الدولة اليمنية.
رحم الله عبد ربه منصور هادي ، وألهم الشعب اليمني الشقيق الأمن والاستقرار والسلام بعد كل هذه السنوات الطويلة من الالم و المعاناة.
(كاتبة تونسية) عن (عرب 21)
ولد هادي سنة 1945 في مديرية غدير بمحافظة أبين جنوب اليمن، في بيئة جنوبية بسيطة صنعت شخصيته الهادئة والبعيدة عن الصخب، قبل أن يشق طريقه مبكرا نحو المؤسسة العسكرية.
وهناك، بدأت رحلته الطويلة مع العسكر والسياسة، حين التحق بمدرسة "جيش محمية عدن" سنة 1964، وهي المؤسسة العسكرية التي أنشئت خلال فترة الوجود البريطاني في جنوب اليمن ، وكانت تُعرف محلياً باسم "جيش الليوي".
لم يكن عبد ربه منصور هادي مجرد ضابط عسكري عابر ، بل كان ابن مدرسة عسكرية صارمة صقلت شخصيته ومنحته خبرة واسعة، خاصة بعد تلقيه دورات تدريبية في بريطانيا والاتحاد السوفيتي السابق ومصر ، حيث بقي إلى حدود سنة 1970.
وقد انعكست تلك التجارب على مسيرته التي اتسمت بالهدوء و الانضباط والقدرة على التكيف مع التحولات السياسية العاصفة التي عرفها اليمن لعقود.
برز اسمه بقوة سنة 1986 خلال أحداث جانفي الدامية داخل الحزب الاشتراكي الحاكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ، وهي الأحداث التي شكلت منعطفا خطيرا في تاريخ الجنوب اليمني.
وبسبب مشاركته في تلك الصراعات، صدر بحقه حكم غيابي بالإعدام رميا بالرصاص، كما فُصل من الحزب الاشتراكي ومن مختلف المناصب الرسمية، في واحدة من أقسى المحطات التي عاشها.
غير أن السياسة كثيرا ما تعيد رسم المصائر. فمع قيام الوحدة اليمنية سنة 1990 وولادة الجمهورية اليمنية الموحدة ، عاد عبد ربه منصور هادي إلى الواجهة السياسية من جديد، حين عُيّن مستشارا في المجلس الرئاسي بقيادة الرئيس الراحل علي عبد الله صالح ، قبل أن يصبح لاحقا نائبا للرئيس لسنوات طويلة.
وفي سنة 2012، وجد هادي نفسه في قلب العاصفة ، حين تولى رئاسة اليمن في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، بعد الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بعلي عبد الله صالح ضمن تداعيات ما عُرف بالربيع العربي.
وقد حاول قيادة البلاد وسط تحديات هائلة، بين الانقسامات السياسية، وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة، والانهيار الاقتصادي، والتدخلات الإقليمية المعقدة.
ورغم الجدل الكبير الذي رافق فترة حكمه، فإن كثيرين يرون أن عبد ربه منصور هادي كان رجل مرحلة استثنائية، وجد نفسه أمام ملفات أكبر من قدرات الدولة اليمنية نفسها ، في بلد أنهكته الحروب والصراعات والانقسامات التاريخية.
برحيله، يطوي اليمن صفحة أحد آخر رجال جيل الوحدة والتحولات الكبرى ، رجل عاش بين الجندية والسياسة، وبين النفي والسلطة، وبين الحروب ومحاولات الحفاظ على ما تبقى من الدولة اليمنية.
رحم الله عبد ربه منصور هادي ، وألهم الشعب اليمني الشقيق الأمن والاستقرار والسلام بعد كل هذه السنوات الطويلة من الالم و المعاناة.
(كاتبة تونسية) عن (عرب 21)

















