> «الأيام» غرفة الأخبار:
- إصلاحات قاسية في اليمن للحصول على قرض من صندوق النقد
وكشفت مصادر حكومية لـ"العربي الجديد" أن الحكومة وافقت، في إطار مشاورات المادة الرابعة مع صندوق النقد، على تنفيذ هذه الإصلاحات التي قد تؤدي على المدى القصير إلى زيادة رقعة الفقر، وأفصحت عن عزمها البدء خلال شهر يونيو المقبل بتطبيق رفع تدريجي لتعرفة استهلاك الكهرباء على المنازل والقطاع التجاري، وصولاً إلى إلغاء الدعم بالكامل عن هذا القطاع الذي يستنزف الموازنة.
وأوضح مسؤول دبلوماسي في سفارة اليمن لدى واشنطن لـ"العربي الجديد" أن الحكومة أبدت التزاماً رفيعاً في تطبيق الشروط لتعزيز فرصها في الحصول على قرض بقيمة مليار دولار، مؤكداً أن المضي في إصلاح قطاع الطاقة سيعزز فرص تأمين هذا القرض مع نهاية العام الجاري على الأرجح.
وتستهدف الإصلاحات زيادة الإيرادات العامة عبر تفعيل الرقابة الضريبية والجمركية لتغطية العجز، والتغلب على الاختناقات المالية الناتجة عن توقف تصدير النفط الخام منذ نوفمبر 2022، عقب الهجمات الصاروخية لجماعة الحوثيين التي استهدفت ميناء الضبة النفطي بمحافظة حضرموت، ما حرم الخزينة من المورد الأساسي للنقد الأجنبي.
وكان صندوق النقد قد أعلن في أكتوبر 2025 استئناف مشاورات المادة الرابعة مع السلطات اليمنية، في خطوة وُصفت بأنها مؤشر إيجابي يعكس عودة التواصل المؤسسي وتوافر بيانات أكثر دقة، رغم استمرار الصراع المسلح وتداعياته الثقيلة.
واعتبر الخبير الاقتصادي، ماهر فيصل، أن استئناف المشاورات يمثل حدثاً مفصلياً قد يفضي إلى صياغة أول خريطة طريق اقتصادية شاملة للبلاد منذ عقد، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن الأهمية تكمن في كونها توفر خريطة تفاوضية يربط المانحون الدوليون، ومنهم فرنسا، توسيع دعمهم بمدى التقدم المحرز فيها.
يضغط صندوق النقد الدولي بقوة لإلغاء دعم الكهرباء، معتبراً إياه عبئاً مالياً غير مستدام، ويشدد على أن تعديل التعرفة بانتظام لتغطية التكاليف الفعلية يمثل ضرورة حتمية لاستعادة الاستقرار النقدي والمالي.
وفي منتصف إبريل 2026، أشار الصندوق إلى أنه ينبغي للحكومة التركيز على ترشيد الإنفاق استراتيجياً، ومواءمة التعرِفات تدريجياً مع التكاليف، مع ضمان الحماية الاجتماعية للمستحقين من الأسر الفقيرة، وتحسين جباية الفواتير، وإلغاء عقود شراء الطاقة المجحفة بحق الدولة.
واستجابة لذلك، أعلنت وزارة الكهرباء اليمنية في إبريل عن ملامح خطة التعافي الاقتصادي للقطاع، وناقشت سبل تحسين التحصيل عبر مراجعة التعرفة تدريجياً للفئات التجارية والمنشآت الحكومية وكبار المشتركين، والتوسع في استخدام العدادات الرقمية.
وتطرق اجتماع حكومي، وفق وكالة "سبأ"، إلى مساعي تأمين وقود المحطات وتنفيذ حملات توعوية لتعزيز ثقافة الالتزام بالسداد. ويشكل دعم الطاقة تشوهاً اقتصادياً كبيراً؛ إذ تنفق الحكومة ما يربو على 1.2 مليار دولار سنوياً، تذهب غالبيتها لتغطية كلفة وقود المحطات، في حين أن الإيرادات الفعلية لا تغطي سوى نصف الكلفة الإجمالية، وهو ما يخلق فجوة حادة.
وتكشف الأرقام أن تعرفة استهلاك القطاع المنزلي لا تتجاوز 9 ريالات يمنية للكيلووات الواحد، بينما تصل كلفة إنتاجه الفعلية إلى نحو 150 ريالاً، ونتيجة لهذا الفارق بدأت مؤسسة الكهرباء منذ يونيو 2024 برفع تعرفة القطاعَين التجاري والصناعي إلى 105 ريالات، و75 ريالاً للقطاع الزراعي.
ورغم التدني الشديد للتعرفة، فإن المعضلة تكمن في امتناع أو تأخر المؤسسات الحكومية، والمنشآت التجارية، والقطاع المنزلي عن السداد؛ ووفقاً لتقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، فقد تضخمت المديونية المستحقة لصالح مؤسسة الكهرباء لتصل إلى نحو 160 مليار ريال يمني (نحو 103 ملايين دولار أميركي).
تتضمن خطة الحكومة، وفقاً لمصادر "العربي الجديد"، رفعاً تدريجياً لتعرفة الاستهلاك المنزلي من 9 ريالات إلى 50 ريالاً يمنياً للكيلووات، وزيادتها للشركات والمصانع إلى 180 ريالاً (وهو سعر يفوق الكلفة الفعلية لتعويض جزء من الخسائر).
ويقر مسؤولو قطاع الطاقة بأن هذه الإصلاحات ستؤدي على المدى القصير إلى موجة غلاء في فواتير المعيشة، إلّا أنها تستهدف بناء بنية تحتية مستدامة، والتغلب على مشكلات تهالك محطات التوليد بالديزل والمازوت وفاقد شبكات النقل المعطلة.
وفي هذا الصدد، قال الباحث الاقتصادي في مركز صنعاء للدراسات، خالد منصر، لـ"العربي الجديد": "إن الدولة تبدو عاجزة تماماً عن الوفاء بالالتزامات الحتمية كدفع مرتبات موظفي الخدمة المدنية، فضلاً عن عجزها عن تأمين وقود الطاقة وصيانة الشبكات المتهالكة التي يصعب على الخزينة تحملها منفردة، ولذلك أنا أؤيد رفع الدعم تدريجياً، والبدء الفوري في إحلال العدادات مسبقة الدفع لضمان التحصيل والحد من الهدر".
وتأتي هذه الإجراءات الصعبة في وقت تدهورت فيه الأوضاع المالية العامة بحدّة؛ إذ انكمشت الإيرادات الحكومية من 22.5% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2014، لتصل إلى أقل من 12% فقط في عام 2024، وفي المقابل قفزت معدلات الدين العام لتتجاوز نسبة 100% من إجمالي الناتج المحلي للمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، وهو ما يضع البلاد أمام خيارات تصحيحية حرجة.



















