> «الأيام» منصة «سَدّ»:
على حافة أحواض الملح المتصدعة يقف أحمد الرجل الخمسيني ببشرته التي دباغتها الشمس وعينين تختزنان حكايات البحر يمسح العرق عن جبينه بكم قميصه البالي.

يقول بصوت أجش "كانت هذه الأحواض تضج بالحياة، والعمال كخلية نحل يغرفون الملح الأبيض الناصع ويعبئون الأكياس بعرق الجبين أما اليوم، فأشعر باليأس فهذا المكان ليس مجرد رزق، بل هو هويتنا وتاريخنا الذي يندثر".
قصة أحمد تختزل مأساة مئات العمال الذين فقدوا وظائفهم، ومجتمعًا يفقد جزءًا من تراثه.
نتجت هذه الخسائر الفادحة عن التعديات المتواصلة والردم العشوائي، إذ تحولت حواف المحمية الرطبة إلى مكب للنفايات ومخلفات البناء، واستباحتها الهناجر الحديدية، معارض السيارات، الورش، والمنشآت الأخرى، وسط غياب تام لدور الجهات الحكومية المعنية بحماية البيئة.

وعلى الصعيد التشغيلي، يواجه هذا الشريان الاقتصادي شللًا تقنيًا خانقًا يهدد بتوقف الإنتاج تمامًا؛ فمن جراء الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، تعطلت المضخات العملاقة التي تبلغ قدرتها 3500 متر مكعب في الساعة، والمسؤولة عن تغذية الأحواض بمياه البحر. هذا العجز الفني أدى لتصلب الأحواض وقتل الدورة الإنتاجية في مهدها، مما دفع المختصين للمطالبة بتبني حلول الطاقة الشمسية كخيار استراتيجي ومستدام لضمان بقاء هذا الإرث واستمرار دوران عجلة الإنتاج للأجيال القادمة.
ويعود هذا التدهور المتسارع إلى تشتت المسؤولية الإدارية وتقلب التبعية بين عدة مؤسسات، وصولًا إلى هيئة المنطقة الحرة، مما فتح باباً للفساد وتجاهل قرار رئيس الوزراء رقم (30) لعام 2006 الذي يصنف المملاح محمية طبيعية. وتتصاعد المطالبات اليوم بضرورة التدخل السيادي العاجل لإيقاف كافة التراخيص الصادرة في حرم المحمية فورًا، والبدء بإزالة كافة الاستحداثات الخرسانية، لمنع المتاجرة بـ "رئة عدن" والحفاظ على توازنها البيئي المهدد بالاندثار.
وفي موسم الهجرة الشتوية (سبتمبر 2007 - مارس 2008) رصدت الدراسة ذاتها 48 نوعًا تنتمي لـ 6 رتب و13 فصيلة و24 جنسًا.

شملت 29 نوعًا مقيمًا، و16 مهاجرًا صيفيًا، و123 مهاجرًا شتويًا وتعتبر أراضي عدن الرطبة، وفقًا للبلم، موطنًا لأكثر من 1 % من التعداد العالمي لطيور مثل (الطيطوي أحمر الساق)، و(خطاف بحر قزوين)، و(أبو مغازل)، و(أبو ملعقة)، و(البلشون) وتحتضن أنواعاً مهددة عالميًا كـ (النورس أبيض العين) و"العقاب الإمبراطوري"، وأخرى متناقصة إقليميًا كـ (القطقاط المصري).
ويؤكد البلم أن هذه المحميات تمثل متنفسات اجتماعية وبيئية ذات فوائد نفسية واقتصادية، رغم انعدام السياحة البيئية حاليًا بسبب الوضع الأمني.
وفيما يتعلق بتخزين الكربون يوضح العكيشي أنه رغم خلو محميات عدن من "الأراضي الخثية" (الغنية بالمواد العضوية)، إلا أن مياهها الغنية بالكائنات البحرية تشكل عاملًا مهمًا لامتصاص الكربون والحد من الاحتباس الحراري.
ويقترح العكيشي حلولًا طبيعية للتكيف أبرزها تعزيز بيئات الطحالب، والزراعة الشاطئية لأشجار الشورى (القرم) التي تحمي الشواطئ وتوفر بيئة للتكاثر، بالتوازي مع استخدام تقنيات البنية التحتية الخضراء والتخطيط الحضري السليم.
تتميز المحميات بكنوز طبيعية فريدة؛ فهي ليست مجرد مسطحات مائية، بل موطن لآلاف الكائنات، وتنمو فيها شجيرات (العصل) وأشجار (الدوم) المستخدمة في الحرف التقليدية وتعد ملاذًا للثعالب والأرانب البرية والأسماك والقشريات.

وتفاقم الوضع مع خضوع أراضي المملاح لسيطرة هيئة المنطقة الحرة، ما فتح باب الفساد والبيع غير القانوني للأراضي.
وجاءت حرب 2015 لتزيد الطين بلة إذ شهدت المحميات دمارًا هائلًا، نزوحًا، وتوسعًا عمرانيًا عشوائيًا، مع زيادة في التلوث والحرائق والصيد الجائر. ووفقًا لتقرير "مركز رؤى للدراسات"، استمرت عمليات الردم الممنهج وبناء المنشآت العشوائية في ظل غياب الرقابة، وتحولت أجزاء من المحمية لمكبات نفايات، وسط فشل ذريع للجهات المعنية في وقف هذه الانتهاكات رغم حملات التوعية من المجتمع المدني.
وتطلق السيد تحذيرًا جديًا من المخاطر المحدقة بهذا التنوع البيولوجي الفريد جراء ارتفاع درجات الحرارة واشتداد العواصف.
ولتدارك الموقف تطرح الدكتورة ندى بالتوافق مع الخبراء خارطة طريق عاجلة للتدخل ترتكز أولًا على تفعيل الدور الرقابي لهيئة حماية البيئة وفرض سيادة القانون بصرامة.
وتتضمن الرؤية ضرورة إنشاء آليات رصد ومراقبة فعالة مدعومة بميزانيات مخصصة للصيانة، بالتوازي مع خلق تنسيق مشترك ومتين بين الجهات الحكومية والمنظمات المعنية.
وتمتد الحلول لتشمل معالجة بؤر التلوث، وتنشيط السياحة البيئية، وبناء القدرات الوطنية، وصولًا إلى الهدف الاستراتيجي المتمثل في تحديث التشريعات وترشيح هذه المحميات للانضمام إلى قائمة "رامسار" الدولية.

ويلفت حسان إلى الدور المحوري للشباب في التوعية، الزراعة، والضغط على صناع القرار، رغم تحديات نقص التمويل والأدوات. ويقترح تعزيز الوعي عبر المدارس والإعلام، وتدريب السكان المحليين، وإشراك المجتمع في صنع القرار عبر مجالس بيئية محلية.
من جهته أعلن المهندس نيازي مصطفى محمود مدير حماية البيئة عن خطة بالشراكة مع اليونسكو لإحياء الموقع عبر الطاقة الشمسية وتأهيل طواحين الهواء، مؤكداً على الفصل الصارم بين مناطق الاستثمار والمحميات الطبيعية لحماية المسارات الأثرية والطيور المهاجرة وواصفاً المشروع بـ "وسام استحقاق" لصون "رئة عدن الاقتصادية والتراثية".
ويُرجع سعد أسباب البسط والردم إلى غياب الرقابة وتقاعس الجهات المسؤولة كاشفاً عن قيام جهات حكومية سابقة بتوزيع أراضٍ من المحمية، وبيع وتأجير أجزاء منها بشكل غير قانوني.
ويؤكد أن "المؤسسة الاقتصادية" هي الجهة المشغلة للمحمية وتتحمل مسؤولية حمايتها، مشيرًا إلى أن الهيئة ليست المسؤول الوحيد بل تشاركها السلطة المحلية والمؤسسة الاقتصادية مع وجود قصور في التنسيق.
وينفي سعد اتهامات الفساد والإهمال الموجهة للهيئة مؤكداً سعيها لاستعادة الأراضي المنهوبة.
* « سَدّ SADD».. المُناخ رُوح الأرض، منصة إعلامية رقمية متخصصة تُعنى بقضايا المناخ، البيئة والاستدامة، تتبع مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf).
يجول ببصره في الأرجاء بحسرة فالمكان الذي كان شريان حياته ومصدر رزقه الوحيد منذ نعومة أظفاره، بات اليوم شاهدًا صامتًا على دمار يحرق القلب.

يقول بصوت أجش "كانت هذه الأحواض تضج بالحياة، والعمال كخلية نحل يغرفون الملح الأبيض الناصع ويعبئون الأكياس بعرق الجبين أما اليوم، فأشعر باليأس فهذا المكان ليس مجرد رزق، بل هو هويتنا وتاريخنا الذي يندثر".
قصة أحمد تختزل مأساة مئات العمال الذين فقدوا وظائفهم، ومجتمعًا يفقد جزءًا من تراثه.
- أرقام الكارثة
نتجت هذه الخسائر الفادحة عن التعديات المتواصلة والردم العشوائي، إذ تحولت حواف المحمية الرطبة إلى مكب للنفايات ومخلفات البناء، واستباحتها الهناجر الحديدية، معارض السيارات، الورش، والمنشآت الأخرى، وسط غياب تام لدور الجهات الحكومية المعنية بحماية البيئة.
- المملاح: إرث تاريخي واقتصاد يحتضر
تكتسب محمية المملاح الواقعة في مديرية المنصورة قيمتها الاستثنائية لكونها ثاني أكبر محمية أراضٍ رطبة في عدن، ومزيجًا فريدًا يجمع بين عبق التاريخ وسحر الطبيعة وعراقة الصناعة. فهي تحتضن صناعة الملح التقليدية التي تعود لأكثر من قرن، مما يجعلها من أقدم الصناعات الاستخراجية في البلاد. ويؤكد المستشار ناشر عبدالله أن ملح عدن يمثل "براند" عالميًا وهويّة سيادية قادرة على إنتاج 350 ألف طن سنويًا لرفد خزينة الدولة بالعملة الصعبة، لو استُغلت مواردها بالشكل الأمثل بدلًا من تركها للإهمال.

وعلى الصعيد التشغيلي، يواجه هذا الشريان الاقتصادي شللًا تقنيًا خانقًا يهدد بتوقف الإنتاج تمامًا؛ فمن جراء الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، تعطلت المضخات العملاقة التي تبلغ قدرتها 3500 متر مكعب في الساعة، والمسؤولة عن تغذية الأحواض بمياه البحر. هذا العجز الفني أدى لتصلب الأحواض وقتل الدورة الإنتاجية في مهدها، مما دفع المختصين للمطالبة بتبني حلول الطاقة الشمسية كخيار استراتيجي ومستدام لضمان بقاء هذا الإرث واستمرار دوران عجلة الإنتاج للأجيال القادمة.
- خطر الاستيطان الخرساني وبيع المحمية
ويعود هذا التدهور المتسارع إلى تشتت المسؤولية الإدارية وتقلب التبعية بين عدة مؤسسات، وصولًا إلى هيئة المنطقة الحرة، مما فتح باباً للفساد وتجاهل قرار رئيس الوزراء رقم (30) لعام 2006 الذي يصنف المملاح محمية طبيعية. وتتصاعد المطالبات اليوم بضرورة التدخل السيادي العاجل لإيقاف كافة التراخيص الصادرة في حرم المحمية فورًا، والبدء بإزالة كافة الاستحداثات الخرسانية، لمنع المتاجرة بـ "رئة عدن" والحفاظ على توازنها البيئي المهدد بالاندثار.
- فسيفساء بيولوجية
وفي موسم الهجرة الشتوية (سبتمبر 2007 - مارس 2008) رصدت الدراسة ذاتها 48 نوعًا تنتمي لـ 6 رتب و13 فصيلة و24 جنسًا.
ويعزز هذا التوجه أستاذ علم الحيوان بجامعة عدن فضل عبد الله البلم الذي أظهرت دراسته (2005-2006) تنوعًا كبيرًا بتسجيل 168 نوعًا في مدينة عدن (41 عائلة و91 جنسًا).

شملت 29 نوعًا مقيمًا، و16 مهاجرًا صيفيًا، و123 مهاجرًا شتويًا وتعتبر أراضي عدن الرطبة، وفقًا للبلم، موطنًا لأكثر من 1 % من التعداد العالمي لطيور مثل (الطيطوي أحمر الساق)، و(خطاف بحر قزوين)، و(أبو مغازل)، و(أبو ملعقة)، و(البلشون) وتحتضن أنواعاً مهددة عالميًا كـ (النورس أبيض العين) و"العقاب الإمبراطوري"، وأخرى متناقصة إقليميًا كـ (القطقاط المصري).
ويؤكد البلم أن هذه المحميات تمثل متنفسات اجتماعية وبيئية ذات فوائد نفسية واقتصادية، رغم انعدام السياحة البيئية حاليًا بسبب الوضع الأمني.
- خط الدفاع الأول
وفيما يتعلق بتخزين الكربون يوضح العكيشي أنه رغم خلو محميات عدن من "الأراضي الخثية" (الغنية بالمواد العضوية)، إلا أن مياهها الغنية بالكائنات البحرية تشكل عاملًا مهمًا لامتصاص الكربون والحد من الاحتباس الحراري.
ويقترح العكيشي حلولًا طبيعية للتكيف أبرزها تعزيز بيئات الطحالب، والزراعة الشاطئية لأشجار الشورى (القرم) التي تحمي الشواطئ وتوفر بيئة للتكاثر، بالتوازي مع استخدام تقنيات البنية التحتية الخضراء والتخطيط الحضري السليم.
- التنوع البيئي ومنظومة المحميات
تتميز المحميات بكنوز طبيعية فريدة؛ فهي ليست مجرد مسطحات مائية، بل موطن لآلاف الكائنات، وتنمو فيها شجيرات (العصل) وأشجار (الدوم) المستخدمة في الحرف التقليدية وتعد ملاذًا للثعالب والأرانب البرية والأسماك والقشريات.
- وقائع كارثية
تعرضت المحميات لسلسلة من النكبات فبعد حرب 1994 شُنت حملة تعديات واستيلاء تحت غطاء "مشاريع استثمارية" حيث خُصصت مساحات لمتنفذين لإقامة محطات وقود، فنادق، مستودعات، ومصانع بلاستيك، مما هدد صناعة الملح التقليدية ولوث البيئة.

وتفاقم الوضع مع خضوع أراضي المملاح لسيطرة هيئة المنطقة الحرة، ما فتح باب الفساد والبيع غير القانوني للأراضي.
وجاءت حرب 2015 لتزيد الطين بلة إذ شهدت المحميات دمارًا هائلًا، نزوحًا، وتوسعًا عمرانيًا عشوائيًا، مع زيادة في التلوث والحرائق والصيد الجائر. ووفقًا لتقرير "مركز رؤى للدراسات"، استمرت عمليات الردم الممنهج وبناء المنشآت العشوائية في ظل غياب الرقابة، وتحولت أجزاء من المحمية لمكبات نفايات، وسط فشل ذريع للجهات المعنية في وقف هذه الانتهاكات رغم حملات التوعية من المجتمع المدني.
- خارطة طريق للإنقاذ
وتطلق السيد تحذيرًا جديًا من المخاطر المحدقة بهذا التنوع البيولوجي الفريد جراء ارتفاع درجات الحرارة واشتداد العواصف.
ولتدارك الموقف تطرح الدكتورة ندى بالتوافق مع الخبراء خارطة طريق عاجلة للتدخل ترتكز أولًا على تفعيل الدور الرقابي لهيئة حماية البيئة وفرض سيادة القانون بصرامة.
وتتضمن الرؤية ضرورة إنشاء آليات رصد ومراقبة فعالة مدعومة بميزانيات مخصصة للصيانة، بالتوازي مع خلق تنسيق مشترك ومتين بين الجهات الحكومية والمنظمات المعنية.
وتمتد الحلول لتشمل معالجة بؤر التلوث، وتنشيط السياحة البيئية، وبناء القدرات الوطنية، وصولًا إلى الهدف الاستراتيجي المتمثل في تحديث التشريعات وترشيح هذه المحميات للانضمام إلى قائمة "رامسار" الدولية.
- التمويل الدولي ودور الشباب
ويشير إلى أهمية مؤتمر التصحر، المناخ، التنوع البيولوجي كمنصة لحشد الدعم ويوافق الدكتور العكيشي على هذا الطرح، مشددًا على ضرورة "الجاهزية" بمقترحات مدعومة ببيانات صحيحة وكادر شبابي مؤهل للكتابة والإدارة، بالتوازي مع وجود استراتيجية حكومية واضحة.

ويلفت حسان إلى الدور المحوري للشباب في التوعية، الزراعة، والضغط على صناع القرار، رغم تحديات نقص التمويل والأدوات. ويقترح تعزيز الوعي عبر المدارس والإعلام، وتدريب السكان المحليين، وإشراك المجتمع في صنع القرار عبر مجالس بيئية محلية.
من جهته أعلن المهندس نيازي مصطفى محمود مدير حماية البيئة عن خطة بالشراكة مع اليونسكو لإحياء الموقع عبر الطاقة الشمسية وتأهيل طواحين الهواء، مؤكداً على الفصل الصارم بين مناطق الاستثمار والمحميات الطبيعية لحماية المسارات الأثرية والطيور المهاجرة وواصفاً المشروع بـ "وسام استحقاق" لصون "رئة عدن الاقتصادية والتراثية".
- تقاذف المسؤوليات
ويُرجع سعد أسباب البسط والردم إلى غياب الرقابة وتقاعس الجهات المسؤولة كاشفاً عن قيام جهات حكومية سابقة بتوزيع أراضٍ من المحمية، وبيع وتأجير أجزاء منها بشكل غير قانوني.
ويؤكد أن "المؤسسة الاقتصادية" هي الجهة المشغلة للمحمية وتتحمل مسؤولية حمايتها، مشيرًا إلى أن الهيئة ليست المسؤول الوحيد بل تشاركها السلطة المحلية والمؤسسة الاقتصادية مع وجود قصور في التنسيق.
وينفي سعد اتهامات الفساد والإهمال الموجهة للهيئة مؤكداً سعيها لاستعادة الأراضي المنهوبة.
* « سَدّ SADD».. المُناخ رُوح الأرض، منصة إعلامية رقمية متخصصة تُعنى بقضايا المناخ، البيئة والاستدامة، تتبع مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf).
















