> «الأيام» ريف اليمن:

مع بزوغ خيوط الشمس الأولى على مدرجات محافظة إب، تقف المزارعة الستينية فاطمة علي، عند أطراف حقلها المسور بالتين الشوكي في منطقة مذيخرة، تتأمل أرضها التي اعتادت أن تراها خضراء ونابضة بالحياة، غير أن المشهد كان مختلفًا؛ أكياس بلاستيكية عالقة بين الأغصان، وعبوات فارغة متناثرة وسط الحقل، ومخلفات تسد مجرى المياه وتشوه ملامح المكان.

تمسك فاطمة بعصاها وتبدأ رحلة شاقة لجمع ما خلفته النفايات، تنحني لانتشال كيس بلاستيكي دفن نصفه في التراب، وتلاحق أكياسًا أخرى تدفعها الرياح بين الأشجار، وبعد ساعات من العمل، تجمع المخلفات في طرف الحقل وآثار التعب بادية على وجهها.

هذه الصورة لم تعد استثناء في كثير من المناطق الريفية اليمنية، بل تحولت إلى مشهد متكرر يعكس اتساع مشكلة التلوث البلاستيكي في الأرياف، وما تتركه من آثار بيئية وزراعية وصحية متفاقمة. 
  • مكبات مفتوحة 
يقول عبدالله سعيد (56 عامًا) أحد سكان منطقة المحارير بذات المديرية، إن انتشار المخلفات البلاستيكية في القرى والجبال والمناطق الزراعية أصبح مشكلة يومية تؤثر على حياة السكان وصحتهم.

ويؤكد سعيد أن الأراضي التي تتراكم فيها النفايات تصبح غير صالحة للزراعة، كما تتحول أماكن تجمعها إلى بؤر للحشرات والأمراض. ويضيف أن عمليات تنظيف الأراضي الزراعية من المخلفات تتسبب أحيانًا في إصابات وجروح للمزارعين نتيجة وجود مواد ملوثة أو حادة بين النفايات.


من جانبه، يقول المزارع محمد مرشد (55 عامًا) إن الأكياس البلاستيكية باتت تنتشر فوق الأشجار وفي الحقول والمدرجات الزراعية وحتى داخل مجاري المياه، الأمر الذي يضاعف من الأعباء الملقاة على عاتق المزارعين.

ويشير خلال حديثه إلى أن تنظيف الأراضي من المخلفات أصبح جزءًا من الأعمال الزراعية الموسمية، مضيفاً: "أن تراجع خصوبة التربة وانخفاض الإنتاج الزراعي مقارنة بما كان عليه في السابق بات أمرًا ملحوظًا، إلى جانب ازدياد حالات جفاف الأشجار الصغيرة وتضرر بعض الأشجار المعمرة".

وبحسب مرشد لا يقتصر خطر المخلفات البلاستيكية على التربة والمحاصيل بل يطال المواشي والأغنام التي تتعرض لابتلاع الأكياس البلاستيكية أثناء الرعي، ويرى أن هذه الظاهرة أصبحت تشكل عبئًا إضافيًا على المزارعين، ليس فقط في تدهور الأراضي الزراعية، بل أيضًا في تهديد الثروة الحيوانية التي تعتمد عليها كثير من الأسر الريفية كمصدر دخل أساسي.

ورغم غياب إحصاءات رسمية دقيقة حول حجم التلوث البلاستيكي في الأرياف اليمنية، تشير بيانات محلية إلى أن صنعاء وحدها تنتج أكثر من 1400 طن من النفايات يوميًا، ما يعكس حجم التراكم الكبير للمخلفات في البلاد، والتي ينتشر جزء واسع منها في المناطق الزراعية والريفية بفعل ضعف أنظمة الجمع وإعادة التدوير.

وفي كثير من القرى، يلجأ السكان إلى التخلص من الأكياس والعبوات البلاستيكية برميها في مجاري السيول أو بالقرب من أشجار التين الشوكي وعلى سفوح الجبال، لتنتقل لاحقاً بفعل الرياح والأمطار إلى الأراضي الزراعية، وهناك تستقر بين الجذوع والأغصان أو تدفن داخل التربة، مشكلة طبقات تعيق حركة الماء والهواء داخلها. 
  • أضرار فادحة 
مدير إدارة الزراعة بمحافظة لحج، ناصر محمد هزاع، بدوره أكد أن البلاستيك يعد من المواد غير القابلة للتحلل الحيوي، وأن اختلاطه بالتربة يؤدي إلى أضرار هيكلية وكيميائية فادحة تدمر مسامية التربة.

وأوضح هزاع خلال حديثه أن الأكياس والرقائق البلاستيكية المدفونة تعمل كحواجز فيزيائية تمنع نفاذ مياه الري والأمطار إلى أعماق التربة، وتحرم الجذور من الرطوبة اللازمة لنموها، كما تعيق عملية التبادل الغازي بين التربة والغلاف الجوي، ما يقلل من كمية الأكسجين المتاحة للنباتات والكائنات الدقيقة.


ويلفت إلى أن تراكم اللدائن الدقيقة يؤدي إلى تراجع أعداد الكائنات الحية الدقيقة والديدان التي تلعب دورًا أساسيًّا في تحلل المواد العضوية وإعادة تدوير العناصر الغذائية، الأمر الذي يفقد التربة حيويتها وخصوبتها تدريجيًّا.


وفي ظل غياب خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق الريفية، يلجأ عدد من السكان إلى حرق المخلفات البلاستيكية للتخلص منها، وهو ما يضيف مشكلة جديدة إلى سلسلة الأضرار البيئية، وبحسب مختصين، يؤدي حرق البلاستيك إلى إطلاق غازات ومواد سامة في الهواء، من بينها مركبات الديوكسين التي قد تترسب على النباتات والثمار وتنتقل إلى الإنسان عبر الغذاء.

وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن الديوكسينات الناتجة عن حرق البلاستيك تستقر على المحاصيل الزراعية وفي مصادر المياه قبل أن تنتقل إلى الإنسان عبر الغذاء، فضلًا عن ارتباطها بمشكلات صحية خطيرة تشمل أمراض الجهاز التنفسي وبعض أنواع السرطان.


ويؤكد أخصائي أمراض الصدر والجهاز التنفسي، ياسر عبد الرحمن، أن حرق المخلفات البلاستيكية في المناطق المفتوحة يشكل خطرًا مباشرًا على صحة السكان، خصوصًا الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي.

ويوضح أن استنشاق الدخان المتصاعد من هذه النفايات قد يؤدي إلى تهيج حاد في الشعب الهوائية، وضيق في التنفس، وزيادة نوبات الربو، إضافة إلى تفاقم الأمراض الصدرية المزمنة، محذرا من أن التعرض المتكرر لهذه الأدخنة السامة قد يرفع من احتمالات الإصابة بمضاعفات صحية طويلة الأمد نتيجة تراكم الملوثات في الجهاز التنفسي. 
  • تأثيرات خفية 
لا يقتصر ضرر المخلفات البلاستيكية على تشويه المنظر العام للحقول والمناطق الزراعية، بل يمتد إلى التأثير المباشر على خصوبة التربة وإنتاجيتها، حيث يتحول إلى جزيئات دقيقة تبقى داخل التربة لفترات طويلة، وتؤدي إلى تغيير خصائص التربة الفيزيائية، وتقلل من قدرتها على امتصاص المياه وتهويتها، ما ينعكس سلبًا على نمو النباتات والمحاصيل الزراعية.


كما لا يتوقف خطر البلاستيك على ما يرى بالعين المجردة، فبحسب دراسة علمية حديثة نشرت عام 2025م، فإن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قادرة على التأثير في الكائنات الحية الدقيقة داخل التربة، وهي المسؤولة عن الحفاظ على خصوبتها وتدوير مغذياتها الطبيعية.

رغم أن القانون اليمني يحظر صناعة واستيراد الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلل منذ عام 1999، إلا أن هذا النشاط لا يزال مستمرًا حتى اليوم، في ظل غياب الرقابة. وبحسب الهيئة العامة لحماية البيئة، بلغ عدد مصانع الأكياس البلاستيكية نحو 30 مصنعًا مرخصًا في عام 2024.

ويرى باحثون أن هذا التأثير قد يؤدي مع مرور الوقت إلى اختلال التوازن الحيوي للتربة وتراجع قدرتها على دعم الإنتاج الزراعي؛ إذ تشير الدراسات والخبراء إلى أن التلوث البلاستيكي بات أحد العوامل المؤثرة في تدهور الأراضي الزراعية.

وبينما كانت الحاجة فاطمة تغادر حقلها مع غروب الشمس، بعد ساعات من جمع الأكياس البلاستيكية المتناثرة بين الأشجار، كانت تدرك أن ما جمعته خلال يومها لن يكون آخر ما ستجده في أرضها غدًا، فمع كل موسم جديد، تتجدد معاناة المزارعين مع مخلفات لا تزرع شيئًا، لكنها تحصد من الأرض خصوبتها ومن الريف جماله.