ليست كل الحروب تنتهي بإعلان منتصر ومهزوم؛ فبعض الحروب تنتهي بحقيقة أشد قسوة: أن الجميع خسر، وأن الشعوب وحدها تدفع الفاتورة الأكبر من أمنها، واقتصادها، وكرامتها، ومستقبل أبنائها.

هذه هي الفكرة العميقة التي يضعها توماس فريدمان أمام قادة الحروب في الشرق الأوسط: أن الانتصار لا يُقاس بعدد الصواريخ، ولا بحجم الدمار، ولا بقدرة طرف على إيلام الطرف الآخر، بل بقدرة الدولة أو الجماعة أو القيادة على أن تمنح شعبها أفقًا للحياة، وفرصةً للأمن، ومعنى للاستقرار. وحين تتحول السياسة إلى معركة بقاء للزعماء، وتتحول الأوطان إلى ساحات لتصفية الحسابات، فإن الخسارة لا تعود احتمالًا عابرًا، بل تصبح قدرًا يوميًا يعيشه الناس في الخبز، والكهرباء، والراتب، والمدرسة، والمستشفى.

أخطر ما في الحرب الطويلة أنها تُقنع أطرافها بأن الصمود وحده نصر، بينما الحقيقة أن الصمود بلا مشروع سلام، وبلا اقتصاد منتج، وبلا مؤسسات فاعلة، ليس إلا إدارةً مطوّلة للخسارة. فالشعوب لا تعيش على الشعارات، ولا تبني مستقبلها بالثأر الدائم، ولا تستعيد ثقتها بقيادات لا ترى في الإنسان إلا رقمًا في معادلة الصراع.

وفي منطقتنا، يتحدث كثيرون عن النصر، لكن القليل يسأل: ماذا بقي من الدولة؟ ماذا بقي من المجتمع؟ ماذا بقي من الاقتصاد؟ وماذا بقي من الإنسان؟ هذه الأسئلة هي جوهر السياسة العاقلة، لأنها تنقلنا من وهم الغلبة إلى حقيقة المسؤولية، ومن منطق كسر الخصم إلى منطق إنقاذ الوطن.

فالحرب لا تدمّر المباني وحدها، بل تدمّر الأسواق، وتكسر سلاسل الإمداد، وترفع كلفة المعيشة، وتُضعف العملة، وتُفقد المستثمر ثقته، وتحوّل معاناة الناس اليومية إلى عبء مضاعف على الدولة والمجتمع. وحين ينهار الاقتصاد، لا تبقى السياسة قادرة على صناعة الاستقرار، ولا تبقى الشعارات قادرة على إطعام الجائع أو علاج المريض أو حماية كرامة المواطن.

إن الدرس الأهم هو أن الحرب قد تُسكت الخصم مؤقتًا، لكنها لا تصنع استقرارًا دائمًا، ولا تبني شرعية، ولا تعالج جوعًا، ولا تعيد ثقة الناس بالمستقبل. والسلام ليس ضعفًا حين يكون قائمًا على العدالة، والحوار ليس تنازلًا حين يكون طريقًا لحماية الأوطان من الانهيار.

لقد خسر الجميع حين ظنوا أن كسر الآخر هو الطريق إلى النجاة. والنجاة الحقيقية لا تبدأ إلا حين ندرك أن كرامة الشعوب، واستقرار الدول، وحماية الاقتصاد، وبناء مؤسسات الدولة، هي الانتصار الوحيد الذي يستحق أن يُسمّى انتصارًا.

* نائب وزير الصناعة والتجارة