ليس هناك ما يعيب أن تتلقى الدول مِنَحًا أو مساعدات خارجية في أوقات الحروب أو الكوارث أو الأزمات الاقتصادية الحادة. فالمساعدات الدولية كانت، وما تزال، إحدى الأدوات التي يلجأ إليها المجتمع الدولي لدعم الدول التي تواجه ظروفًا استثنائية. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول المِنَح من أداة مؤقتة لمعالجة أزمة عابرة إلى ركيزة دائمة يقوم عليها الاقتصاد وإدارة المالية العامة.

وعند هذه النقطة، لا تصبح المِنَح جزءًا من الحل، بل قد تتحول – ودون أن نشعر – إلى جزء من المشكلة.

فالدولة التي تبني موازناتها عامًا بعد آخر على انتظار الِمنَح والودائع والمساعدات الخارجية، تجد نفسها تدريجيًا أسيرة لعوامل لا تملك السيطرة عليها. فهي لا تستطيع التنبؤ بحجم الموارد التي ستحصل عليها، ولا بتوقيت وصولها، ولا بالشروط التي قد ترافقها، مما يجعل التخطيط الاقتصادي أكثر صعوبة، ويزيد من هشاشة الاستقرار المالي.

وفي الحالة اليمنية، اكتسبت المنح والودائع الخارجية أهمية كبيرة خلال السنوات الماضية، وأسهمت في تخفيف بعض الضغوط الاقتصادية والإنسانية، ودعمت في مراحل مختلفة استقرار العملة وتمويل بعض الاحتياجات الأساسية. إلا أن استمرار الاعتماد عليها بوصفها أداة رئيسة لإدارة الاقتصاد يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة الدولة على بناء اقتصاد قادر على تمويل نفسه بنفسه.

فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الدول لا تنهض بالمساعدات، وإنما تنهض عندما تجعل من المساعدات فرصة لبناء اقتصاد منتج يقلل حاجته إليها مع مرور الوقت. أما إذا بقيت المِنَح تمول النفقات الجارية عاماً بعد عام، دون أن تُترجم إلى استثمارات إنتاجية أو إصلاحات مؤسسية، فإنها تؤجل الأزمة أكثر مما تعالجها.

ولعلّ أخطر ما يترتب على الاعتماد المزمن على المِنَح هو تراجع الحافز لإجراء الإصلاحات الهيكلية. فعندما تتوافر موارد خارجية بصورة متكررة، قد يتراجع الاهتمام بتوسيع الإيرادات المحلية، وتحسين كفاءة الإنفاق، وإصلاح الإدارة الضريبية والجمركية، ومكافحة الفساد، وتطوير القطاعات الإنتاجية. وهكذا تدخل الدولة في حلقة مفرغة، تحتاج فيها إلى مِنَح جديدة لمعالجة آثار غياب الإصلاحات التي كان يفترض أن تقلل الحاجة إلى تلك المِنَح.

ولا يقتصر الأمر على الجانب المالي، بل يمتد إلى بناء المؤسسات. فالاقتصاد الذي يعتمد على الموارد الخارجية أكثر من اعتماده على قدراته الذاتية يصبح أكثر تعرضاً للتقلبات السياسية والإقليمية، بينما تضعف قدرته على وضع خطط تنموية مستقرة طويلة الأجل.

ومن هنا، يصبح من الضروري التفكير في كيفية جعل المِنَح مرحلةً انتقاليةً لا حالة دائمة

إن كسر هذه الحلقة يبدأ بإعادة تعريف وظيفة المِنَح نفسها. فبدلاً من توجيه الجزء الأكبر منها لتغطية النفقات التشغيلية، ينبغي أن تُوظف في بناء الأصول الإنتاجية، وتطوير البنية التحتية، وتحسين التعليم والتدريب، ودعم التحول الرقمي، وتعزيز كفاءة الإدارة العامة، وتمويل المشروعات التي تخلق فرص عمل وتولد إيرادات مستدامة.

كما أن تحقيق هذا التحول يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا شاملًا يقوم على الحوكمة الرشيدة، والشفافية، والمساءلة، وربط الإنفاق العام بمؤشرات أداء قابلة للقياس. فكل مِنحة ينبغي أن تتحول إلى مشروع يرفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد، لا إلى مورد يُستهلك ثم ينتهي أثره.

وفي اليمن، تمتلك البلاد مقومات حقيقية لبناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على الذات. فالموقع الجغرافي الاستراتيجي، والموانئ، والثروة السمكية، والموارد الزراعية، ورأس المال البشري، جميعها تمثل مصادر قوة إذا أُديرت بكفاءة، واستندت إلى مؤسسات فعالة وسياسات اقتصادية مستقرة.

كما أن معالجة القضية الجنوبية، وتعزيز الاستقرار السياسي، وبناء مؤسسات قادرة على فرض سيادة القانون وتحقيق الحوكمة، تمثل جميعها عوامل أساسية لتحسين بيئة الاستثمار، واستعادة الثقة، وجذب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية. فالاقتصاد لا ينمو في بيئة يغيب عنها الاستقرار، كما أن الاستقرار نفسه يحتاج إلى اقتصاد قادر على توفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.

ومن منظور الأمن الحضاري، فإن الدولة التي تعتمد بصورة دائمة على المنح الخارجية تظل أقل قدرة على رسم أولوياتها التنموية باستقلالية كاملة، لأن الاعتماد الاقتصادي الطويل قد يحد من هامش الحركة في صنع القرار. أما الاقتصاد المنتج، فإنه يعزز السيادة الاقتصادية، ويمنح الدولة قدرة أكبر على اتخاذ قراراتها وفقًا لمصالحها الوطنية.

إن المِنَح ليست خطأ، لكنها لا ينبغي أن تصبح نموذجًا دائمًا لإدارة الدولة. فالدول الناجحة لا تُقاس بحجم ما تتلقاه من مساعدات، وإنما بقدرتها على تقليل حاجتها إليها عامًا بعد عام.

ولعل التحدي الحقيقي أمام بلادنا ليس في الحصول على مِنحةٍ جديدة، بل في بناء اقتصاد يجعل المِنحة القادمة أقل ضرورة من سابقتها. فعندما يتحقق ذلك، تكون الدولة قد بدأت بالفعل في كسر الحلقة المفرغة، والانتقال من اقتصاد يعتمد على المساعدة إلى اقتصاد يصنع فرصه بقدراته الذاتية.