> «الأيام» فخر العزب:
صنع بركان خامد منذ آلاف السنين في مدينة دمت بمحافظة الضالع معلمًا يُعرف شعبيًّا باسم "حرضة دمت" البركانية، ما جعل المدينة واحدة من أهم وجهات السياحة الصحية في البلاد، خصوصًا في الشتاء حين يتصاعد البخار.

تتوسط مدينة دمت السياحية الطريق الرئيس بين مدينتي صنعاء وعدن في اليمن، وتتبع إداريًّا لمحافظة الضالع، حيث تقع تحديدًا في أقصى شمالها بين أحضان سلسلة مرتفعات جبلية شاهقة، ما يمنحها مناخًا معتدلًا يعكس طبيعة البيئة الفريدة التي تخفي في جوفها حركية جيولوجية بالغة الثراء والتعقيد.
أكثر ما يلفت من يزور مدينة دمت هو البركان الخامد منذ آلاف السنين، الذي يتشكل من كتلة جبلية بارزة تبعد ثلاثة كيلومترات عن الطريق الرئيسي، وهو أحد أبرز المعالم الطبيعية للمنطقة، حيث ترك النشاط التكتوني القديم بصماته العميقة في الأرض، ويُعرف شعبيًا باسم "حرضة دمت" لتشابه الفوهة المجوفة مع "الحرضة"، وهي وعاء طعام حجري تقليدي يشبه "المقلى" الذي يُوضع على النار.
وخلف البركان بحيرة مياه دافئة جعلت من دمت واحدة من أهم وجهات السياحة الصحية في اليمن، وحوّلت المنطقة بالكامل إلى منتجع طبيعي للاستشفاء بالمياه الكبريتية الحارة، ما جعلها مقصدًا دائمًا للزوار من مختلف المحافظات، خصوصًا في الشتاء حين يتصاعد البخار من الأحواض البازلتية التي تتجاور مع أشجار السدر المنتشرة في الوادي.
تتربع "الحرضة الكبرى" كأعجوبة جيولوجية استثنائية تعكس هندسة طبيعية معكوسة، فهي تتسع بشكل دائري من الأعلى وتضيق تدريجياً كلما غارت نحو الأعماق، بخلاف الهيكل المخروطي الاعتيادي للبراكين. ويرتفع جبلها البركاني الكلسي من القاعدة الأرضية نحو 100 متر إلى الحافة العلوية، بينما يهبط عمق الفوهة السحيقة في انحدار صخري شبه عمودي يراوح بين 120 و130 متراً، وينتهي عند بحيرة مائية تتوسطها صخرة دائرية شاهقة تمنح المكان وصفًا أسطوريًّا.
يبلغ قطر الفوهة من الأعلى نحو 50 مترًا، بمساحة حافة علوية تُقدر بنحو 100 متر مربع، في حين تمتد مساحة القاعدة التي يرتكز عليها الجبل إلى 200 متر مربع، مع تباين مسافة الجدار الداخلي والخارجي بين 20 و40 مترًا تبعًا للالتواءات والتكلسات الصخرية.
ولبلوغ القمة يشق الزوار طريقهم صعودًا عبر سلم أنشئ قبل عقود يتجاوز 500 درجة، وأيضًا مسارات حديدية فرعية قديمة تضم 115 درجة، وصولًا إلى القمة التي تطل على ينابيع شهيرة يقصدها المستحمون، مثل حمام "الأسدي" وحمام "العودي".

وتمتد الإثارة إلى مغامرات وتحديات النزول إلى قاع الفوهة السحيق، والذي يُعد اختبارًا حقيقيًا للجسارة، لكنه محفوف بالمخاطر بسبب الطين البركاني الكثيف، واحتمال تراكم الغازات السامّة ونقص الأكسجين في القعر الجوفي. وقد أودت هذه الأخطار بحياة كثيرين، آخرهم الشاب القعقاع عنتر العبسي الملقب بـ"سبايدرمان اليمن" الذي سقط أخيرًا في جوف الحرضة الكبرى أثناء تنفيذه حركات استعراضية خطرة.
- أعجوبة جيولوجية
ويقول باحثون إن البركان بلغ ذروة ثورانه قبل 14 مليون سنة بفعل النشاط التكتوني المرتبط بانفتاح البحر الأحمر وخليج عدن، ورغم أنه يُدرج اليوم ضمن البراكين "الخامدة"، فإنه يظل حيًا حراريًّا في أعماقه، ويحتفظ بديناميكية جوفية تنبض تحت القشرة الأرضية، وتشكل المحرك الأساس لتسخين المياه الجوفية وقذفها بقوة نحو السطح من دون الحاجة إلى مضخات صناعية.

من دمت، يقول رائد عبد الجليل: "من يزور المنطقة يفاجأ بطبيعتها، إذ تبدو كأنها حمام كبريتي مفتوح، ويمكن مشاهدة تصاعد أبخرة المياه وسماع أصوات غليانها، ما جعلها مشفى طبيعيًّا جذب مئات آلاف الزوار للاستشفاء من أمراض الروماتيزم والحساسية والأمراض الجلدية. أثرت الحرب كثيرًا على الواقع السياحي، إضافة إلى إهمال السلطات الحكومية المتعاقبة المنطقة التي تملك مقومات طبيعية فريدة، والتي يمكن تحويلها إلى وجهة سياحية عالمية".
في الذاكرة الشعبية، لا يُفسِّر أهل دمت وجود البركان بلغة الجيولوجيا وحدها، فهم يتداولون روايات متعددة تنتمي إلى الموروث والأسطورة، ويتحدثون عن جبل قديم "ثار غضبًا" وخرجت من باطنه نار عظيمة في زمن غابر، قبل أن يخمد ويترك خلفه عيونًا شافية. ويتناقل الأطفال هذه القصص من دون خوف، إذ غدا البركان جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية.
وتكتمل الهوية الثقافية بالقرى المحيطة بالحرضة التي حافظت على أنماط العمارة التقليدية الحجرية وعاداتها الاجتماعية الفريدة. وبفعل هذا التمازج الجغرافي يبدو المكان كمتحف طبيعي مفتوح، ففي ساعات الصباح الأولى، تنعكس أشعة الشمس على الصخور البازلتية السوداء لتمنحها بريقًا آسرًا، بينما تكتسب في المساء عند المغيب لونًا نحاسيًّا دافئًا يروي قصة الأرض قبل أن يستوطنها الإنسان.
وتنعكس الخصائص الكيميائية والعلاجية لهذا التدفق الجوفي على الجدران الداخلية للفوهة التي تلوّنت بتموجات زاهية من البرتقالي والأصفر الداكن بفعل تراكم ترسبات الكبريت والمعادن على مدى آلاف السنين. وتتأرجح حرارة المياه الكبريتية المعدنية المنبعثة في العيون والحمامات الاستشفائية المحيطة بين 40 و60 درجة مئوية، وتتدفق بغزارة بنسب متفاوتة بين ينبوع وآخر، وتبلغ ذروتها بين 70 و80 لترًا في الثانية، وتتراجع في حدها الأدنى إلى ما بين 15 و20 لترًا في الثانية.
وانضوت المنطقة قديمًا تحت لواء الدولة الأوسانية، ثم انتقلت سيادتها إلى كنف الدولة القتبانية منذ القرن السابع قبل الميلاد وحتى مطلع القرن الأول الميلادي، قبل أن تؤول في نهاية المطاف إلى حكم الريدانيين (حِمْيَر) حتى القرن الخامس الميلادي، وهذا إرث لا تزال ملامحه شاخصة عبر معالم أثرية تتصدرها قلاع دمت التاريخية، وجسر عامر بن عبد الوهاب العتيق.
ولا تقف دمت وحدها في هذا الإرث المنسي، فاليمن تمتد فوق خريطة بركانية غنية تضم عشرات الفوهات التاريخية البعيدة عن دوائر الاستثمار العلمي أو السياحي، من حرضة "أرحب" في شمال صنعاء، وجبل "حيلان" في مأرب، وصولًا إلى الجزر البركانية النشطة في البحر الأحمر، كجبل"الطير"، وأرخبيل "الزبير"، وكلها ثروات قادرة على رفد الاقتصاد الوطني في حال توفر استقرار حقيقي واهتمام يليقان بقيمتها.

















