> "الأيام" مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf):
لم تختر أمل محمد يحيى الصبري مهنة المحاماة بوصفها وظيفة فحسب، بل باعتبارها رسالة للدفاع عن الإنسان والانتصار لكرامته. فمنذ سنواتها الأولى، آمنت بأن العدالة لا تتحقق بالنصوص القانونية وحدها، بل بمن يقف إلى جانب المظلومين، ويمنحهم فرصة للوصول إلى حقوقهم.

وكانت نشأتها في أسرة مهتمة بالشأن العام وقضايا المجتمع، إذ كان والدها، محمد يحيى الصبري – رحمه الله –، من الشخصيات الوطنية الفاعلة، وهو ما أسهم في تشكيل وعيها المبكر بقضايا الحقوق والحريات، ورسّخ لديها قناعة بأن القانون يجب أن يكون وسيلة لحماية الإنسان، لا مجرد أداة لتنظيم العلاقات.
ومن هذه القناعة، اختارت دراسة القانون، لتبدأ رحلة امتدت من قاعات المحاكم إلى ساحات الدفاع عن النساء، والمعتقلين، والصحفيين، والفئات الأكثر ضعفاً، في واحدة من أكثر البيئات تعقيدًا.
- البدايات الأولى
بدأ انخراط أمل الصبري في العمل الحقوقي منذ سنوات الدراسة الجامعية، قبل أن يتعزز مع ممارستها مهنة المحاماة، التي رأت فيها امتدادًا طبيعيًّا للدفاع عن الحقوق والحريات والانتصار للمظلومين.

ولم يكن هذا التوجه وليد الدراسة الجامعية وحدها، بل بدأ قبل ذلك بسنوات، حين شاركت، وهي طالبة في المرحلة الثانوية، في وقفة احتجاجية تضامنية أمام مبنى البرلمان في صنعاء، للمطالبة بحقوق أبناء الجعاشن. وخلال الوقفة، شاهدت قوات الأمن تفرّق المتظاهرين بالقوة وتقتاد عددًا من الشباب إلى الأطقم الأمنية، في أول احتكاك مباشر لها مع مشهد الاعتقال بسبب ممارسة الحق في التعبير السلمي، وهو موقف ترك أثرًا عميقًا في قناعاتها.
وعندما عادت إلى المنزل وروت ما حدث لوالدها، محمد يحيى الصبري – رحمه الله –، قال لها كلمات بقيت راسخة في ذاكرتها: "إذا كنتِ تريدين أن تدافعي عن الحقوق والحريات، فادخلي كلية الشريعة والقانون". وكانت تلك النصيحة نقطة تحول في مسارها، لترى في دراسة القانون رسالة للدفاع عن الإنسان، قبل أن تصبح لاحقًا محامية كرّست عملها لمساندة المعتقلين والمخفيين قسرًا وأسرهم، إلى جانب النساء والفئات الأكثر ضعفًا.
- نقطة التحول
وفي عام 2010، التحقت بكلية الحقوق في جامعة تعز، رغم أن هذا التخصص كان يُنظر إليه في منطقتها، مديرية مشرعة وحدنان، على أنه مجال يكاد يكون حكرًا على الرجال. ولم تكن هناك سوى ثلاث فتيات تقريبًا التحقن بهذا التخصص، وكانت واحدة فقط تمارس مهنة المحاماة، وهو ما جعل اختيارها للقانون خطوة مختلفة في بيئة اجتماعية لم تكن مألوفة كثيراً لهذا المسار بالنسبة للنساء.

ومع اندلاع أحداث عام 2011، بدأت في تقديم الدعم القانوني لعائلات المحتجزين والمعتقلين، واستمرت في متابعة قضاياهم، قبل أن يتوسع هذا الدور مع تصاعد النزاع وما رافقه من زيادة في أعداد المعتقلين والمخفيين قسرًا من المدنيين والصحفيين.
وترى أن الدفاع عن الحقوق لا يقتصر على الترافع أمام المحاكم، بل يشمل الوقوف إلى جانب الضحايا وأسرهم، ومساندتهم قانونيًّا وإنسانيًّا في أكثر اللحظات صعوبة.
ولذلك، حرصت منذ بداياتها على أن يكون دورها أقرب إلى المرافقة الإنسانية للضحايا وأسرهم، مؤمنةً بأن الإنصات لهم، ومساندتهم في رحلة المطالبة بحقوقهم، لا يقل أهمية عن الترافع عنهم أمام القضاء.
- العمل الحقوقي
تعمل أمل الصبري منذ أكثر من ثماني سنوات ضمن الفريق القانوني في اتحاد نساء اليمن، حيث تقدم العون القانوني للنساء المعنفات، وتتابع قضايا الحماية والدعم القضائي، خصوصًا في قضايا العنف الأسري والانتهاكات الاجتماعية.

كما تعمل متطوعة منذ أربع سنوات في تقديم العون القانوني والتوعية القانونية للصحفيين والصحفيات ضمن مشروع "ضمان" لحماية الصحفيين، المنفذ من قبل المنظمة الوطنية للإعلاميين "صدى"، إيمانًا منها بأهمية حماية حرية الصحافة وضمان الحقوق القانونية للعاملين في المجال الإعلامي.
وإلى جانب ذلك، تعمل مدربة ومعدة لأوراق العمل في مجال الحماية القانونية وبناء القدرات، وتسهم في نقل المعرفة القانونية إلى منظمات المجتمع المدني والناشطين والمهتمين بحقوق الإنسان.
- بناء القدرات
حصلت أمل الصبري على العديد من البرامج التدريبية والتأهيلية داخل اليمن وخارجه في مجالات بناء القدرات، وحقوق الإنسان، وبناء السلام، والحماية القانونية، وآليات المناصرة.

كما حصلت على زمالة "حكمة" للقيادات الشابة، التي نفذتها مؤسسة "ديب روت"، وأسهمت في تطوير مهاراتها القيادية وتعزيز خبراتها في العمل الحقوقي وصناعة السلام.
وتواصل الاستثمار في تطوير معارفها القانونية، إيماناً بأن التعلم المستمر أحد أهم أدوات الدفاع عن الحقوق في بيئات النزاع.
- صناعة الأثر
خلال سنوات الحرب، كرّست جانبًا كبيرًا من عملها لرصد قضايا المعتقلين، وتقديم المرافقة القانونية والاستشارات، ومتابعة عدد من الحالات الإنسانية في حدود الإمكانات المتاحة، إلى جانب المشاركة في حملات المناصرة والمتابعة أمام الجهات المختصة.

كما واصلت الدفاع عن النساء المعنفات والفئات الأكثر ضعفًا، وسعت إلى توفير الدعم القانوني الذي يمكنهن من استعادة حقوقهن، إلى جانب تعزيز الوعي القانوني في المجتمع.
ولم تقتصر جهودها على تقديم الاستشارات أو متابعة القضايا، بل حرصت على أن يشعر المتضررون بأن هناك من يقف إلى جانبهم، مؤمنةً بأن الدعم القانوني يمنح الضحايا الثقة والأمل بقدر ما يمنحهم فرصة للوصول إلى العدالة.
تقول أمل الصبري إن أكثر اللحظات التي تشعرها بالفخر هي عندما تتمكن من إنصاف امرأة سُلبت حقوقها، أو يسهم تدخلها القانوني في الإفراج عن معتقل، لأنها ترى في تلك اللحظات دليلًا على أن العدالة ما زالت ممكنة رغم قسوة الظروف.
وترى أن الأثر الحقيقي لعملها لا يقتصر على الأحكام القضائية، بل يظهر أيضًا في شعور أسر المعتقلين بالطمأنينة عندما يدركون أن هناك من يقف إلى جانبهم، ويتابع قضايا أبنائهم، ويدافع عن حقوقهم.
- مواجهة الصعاب
واجهت أمل الصبري تحديات أمنية، ومادية، ونفسية، وإجرائية، وهي تحديات يواجهها معظم العاملين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، خاصة في ظل استمرار النزاع وضعف المؤسسات الأمنية والعدلية.

لكنها واجهت تلك الصعوبات بالتنسيق مع زملائها وزميلاتها في المجال الحقوقي، والتعاون مع المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، والاستناد إلى نصوص القانون في مواجهة أي تعسف أو تجاوز للإجراءات.
وتؤمن أمل الصبري بأن الدفاع عن الحقوق مسؤولية مشتركة، تتطلب العمل الجماعي، والتمسك بالقانون، وتكامل أدوار المحامين، والمؤسسات الحقوقية، ومنظمات المجتمع المدني.
وتؤكد أن مواصلة هذه الرسالة تتطلب صبرًا وإيمانًا راسخًا بالعدالة مهما كانت التحديات.
- صوت العدالة
تدعو أمل الصبري الضحايا وأسر المعتقلين إلى عدم الاستسلام للخوف أو الصمت، والإبلاغ عن الانتهاكات، واللجوء إلى المحامين والجهات المختصة والمنظمات الحقوقية للحصول على الدعم القانوني.

كما تؤكد أهمية دور نقابة المحامين، واللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني، في تقديم العون القانوني والدعم النفسي والاجتماعي للأسر المتضررة.
وتختصر فلسفتها في جملة واحدة تقول فيها: "الدفاع عن الحقوق والحريات مسؤولية ورسالة من أجل العدالة والانتصار للكرامة الإنسانية".
- نبذة تعريفية
أمل محمد يحيى الصبري محامية ومستشارة قانونية يمنية، متخصصة في الدفاع عن حقوق الإنسان، مع تركيز خاص على قضايا النساء والفئات الأكثر ضعفاً. تعمل منذ أكثر من ثماني سنوات ضمن الفريق القانوني في اتحاد نساء اليمن، ومتطوعة في مشروع "ضمان" لحماية الصحفيين، كما تعمل مدربة في مجال الحماية القانونية، وحاصلة على زمالة "حكمة" للقيادات الشابة.

أُعدت هذه القصة الصحافية من قبل مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf)، ضمن مشروع "تضخيم أصوات النساء من خلال الإعلام"، بدعم من منظمة مبادرة مسار السلام، بالشراكة مع رابطة النساء الدولية للحقوق والحرية، وبتمويل من السفارة الهولندية.




















