> طهران«الأيام» العرب:

تتسارع الجهود الدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط في سباق مع الزمن لكبح جماح التصعيد العسكري المتنامي بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يقود وسطاء إقليميون تحركات مكثفة لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب لا تُحمد عقباها.

وتأتي التطورات المتلاحقة في وقت حساس للغاية يعقب سلسلة من الضربات الجوية العنيفة والمتبادلة، مما يضع التفاهمات الهشة التي جرى التوصل إليها مؤخرًا بين واشنطن وطهران على حافة الانهيار الكامل.

وبحسب تقارير دبلوماسية متطابقة، تبذل عواصم إقليمية محورية، في مقدمتها الدوحة وإسلام آباد والقاهرة والرياض، مساعي حثيثة لفتح قنوات اتصال مباشرة وغير مباشرة بين المسؤولين الأميركيين والإيرانيين، بهدف نزع فتيل الأزمة الحالية وإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات الفنية قبل فوات الأوان.

وشهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا ميدانيًا غير مسبوق عكس عمق الفجوة والتوتر بين الطرفين، إذ نفذت القيادة المركزية الأميركية سلسلة من الضربات الجوية الواسعة والمكثفة استهدفت نحو تسعين موقعًا عسكريًا على الساحل الإيراني، شملت منظومات دفاع جوي متطورة ومستودعات لتخزين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بالإضافة إلى منشآت لوجستية وقدرات بحرية تابعة للحرس الثوري.

ولم يتأخر الرد الإيراني كثيرًا، حيث أعلن الحرس الثوري عن استهداف قواعد عسكرية تضم قوات أميركية في الكويت والبحرين والأردن، موجهًا تحذيرات شديدة اللهجة بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل مصالح أميركية وحلفاء آخرين في المنطقة إذا ما استمرت الهجمات الجوية الأميركية على أراضيه، وهو ما ينذر بتحول الخليج العربي ومحيطه إلى ساحة مواجهة مفتوحة وصراع إقليمي واسع النطاق.

ونقلت وكالة رويترز، أمس الأول، عن مصدر قوله إن هناك مفاوضين قطريين في إيران. وتكشف مصادر مطلعة على مسار الوساطة الحالية عن تعقيدات داخلية وخارجية تزيد من صعوبة الموقف، حيث يرى الوسطاء أن الهجمات الأخيرة التي وقعت في مضيق هرمز ومحيطه نفذتها عناصر متشددة داخل النظام الإيراني بغاية تقويض مذكرة التفاهم التي تم توقيعها بين واشنطن وطهران في الثامن عشر من يونيو الماضي.

وتهدف هذه التحركات الميدانية المضادة، وفقًا للقراءة الدبلوماسية، إلى إفشال أي تقارب محتمل مع الولايات المتحدة وإجهاض الجهود الرامية إلى بناء الثقة بين الجانبين، مما يضع القيادة السياسية في طهران أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرتها على ضبط خيوط اللعبة الداخلية والسيطرة على الأجنحة العسكرية التي تعارض علناً مسار الدبلوماسية وتسعى لفرض واقع ميداني مغاير.

وتتحرك الدبلوماسية العربية والإقليمية بناءً على إدراك عميق للمخاطر الكارثية التي قد تنجم عن أي مواجهة مباشرة، حيث أجرى مسؤولون رفيعو المستوى من قطر وباكستان ومصر والسعودية اتصالات هاتفية مكثفة ومشتركة مع قيادات سياسية وأمنية في كل من واشنطن وطهران.

وتركز هذه الاتصالات المستمرة على تحقيق هدفين رئيسيين يتلخص الأول منهما في الاتفاق الفوري على هدنة غير معلنة وبدء خطوات عملية لخفض التصعيد الميداني، بينما يتمثل الهدف الثاني في تحديد موعد عاجل ومناسب لعقد جولة جديدة من المفاوضات بين الفرق الفنية للبلدين، للبناء على ما تم إنجازه في مذكرة التفاهم الأخيرة وتفادي الانهيار الشامل للمسار السياسي.

وتتزايد المخاوف الدولية من انعكاسات هذا الصراع على أمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة البحرية، خصوصاً وأن منطقة الخليج تعيش حالة من الاستنفار الشديد والتوتر المتصاعد منذ اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة في أواخر فبراير الماضي.

ويرى مراقبون أن نجاح الوسطاء في مهمتهم الراهنة يتوقف بالدرجة الأولى على مدى رغبة الإدارة الأميركية في ممارسة ضبط النفس وتأجيل الردود العسكرية الإضافية، مقابل قدرة طهران على كبح جماح العناصر الرافضة للاتفاق داخل بنيتها السياسية والعسكرية.

وتبدو المنطقة اليوم واقفة بين خيارين لا ثالث لهما، إما الاستجابة لصوت الحكمة والدبلوماسية الإقليمية التي تقودها العواصم الأربع، أو الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مدمرة ستطال شظاياها الاقتصاد العالمي وأمن واستقرار المنطقة بأكملها لعقود قادمة.