> «الأيام» العرب:
لم يعد الصومال بالنسبة للولايات المتحدة مجرد ساحة لمكافحة الإرهاب أو دولة هشة تعاني من الصراعات الداخلية، بل بدأ يبرز باعتباره أحد أهم مفاتيح الاستراتيجية الأميركية الجديدة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فالتغيرات الجيوسياسية التي فرضتها الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية، واحتدام المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في شرق أفريقيا، دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في موقع الصومال ضمن حساباتها الأمنية والاقتصادية.
ويعكس هذا التحول انتقالًا في الرؤية الأميركية من التركيز على احتواء التهديدات الإرهابية إلى توظيف الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية للصومال لتعزيز النفوذ الأميركي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. فالدولة المطلة على خليج عدن والقريبة من مضيق باب المندب أصبحت تمثل بالنسبة لواشنطن نقطة ارتكاز لحماية الممرات البحرية الدولية، وتأمين سلاسل الإمداد، وموازنة النفوذ المتنامي لقوى مثل تركيا والصين والإمارات وقطر.
وطوال أكثر من ثلاثة عقود، ارتبط الحضور الأميركي في الصومال بالحرب على الإرهاب، خاصة بعد معركة مقديشو عام 1993، التي شكلت محطة مفصلية في السياسة الأميركية تجاه البلاد. كما عزز استمرار نشاط حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، وظهور تنظيم"داعش-الصومال"، القناعة بأن الأولوية يجب أن تبقى للمقاربات الأمنية والعسكرية.
إلا أن المشهد الإقليمي تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة. فالتوترات في البحر الأحمر، واستهداف السفن التجارية، والاضطرابات في مضيق هرمز، أظهرت أن أمن الممرات البحرية بات جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي الأميركي. وفي هذا السياق، برز الصومال بوصفه دولة تتحكم في جزء مهم من الساحل المطل على خليج عدن، أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم.
وتزداد أهمية هذا الموقع في ظل استمرار هجمات الحوثيين على السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر، الأمر الذي دفع العديد من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مع ما ترتب على ذلك من ارتفاع في تكاليف النقل وأسعار الطاقة.
ومن هنا، ترى واشنطن أن استقرار الصومال لم يعد مرتبطًا فقط بمحاربة الجماعات المتشددة، وإنما بحماية أحد الشرايين الرئيسية للتجارة العالمية.
ولا يقتصر الاهتمام الأميركي على البعد الأمني، بل يمتد إلى الجوانب الاقتصادية أيضًا. فالصومال يمتلك احتياطيات واعدة من النفط والغاز في مياهه الإقليمية، إلى جانب إمكانات كبيرة في مجالات التعدين والثروة السمكية والموانئ والخدمات اللوجستية.
ورغم أن هذه الموارد لا تزال بحاجة إلى استثمارات واستقرار سياسي لاستغلالها، فإنها تجعل البلاد مرشحة لأن تصبح إحدى الأسواق الواعدة في شرق أفريقيا.
وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن منافسين دوليين سبقوها إلى الاستثمار في هذه الفرصة. فقد عززت تركيا حضورها في الصومال عبر التدريب العسكري، وإدارة الموانئ والمطارات، والاستثمار في البنية التحتية، وصولًا إلى التنقيب عن الطاقة في المياه العميقة.
كما وسعت دول أخرى، مثل الإمارات وقطر والصين، نفوذها الاقتصادي والسياسي في منطقة القرن الأفريقي، الأمر الذي يدفع واشنطن إلى البحث عن استراتيجية أكثر شمولًا للحفاظ على مصالحها.
ومن هذا المنطلق، لم تعد المساعدات العسكرية الأميركية تُنظر إليها باعتبارها هدفًا بحد ذاته، وإنما كوسيلة لتهيئة بيئة مستقرة تسمح بتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري.
ويبرز في هذا السياق "لواء داناب"، الذي تلقى تدريبه على يد القوات الأميركية، باعتباره نموذجًا للجمع بين بناء القدرات الأمنية وتعزيز مؤسسات الدولة.
لكن دوائر التفكير الأميركية ترى أن هذه المقاربة تحتاج إلى تطوير، بحيث تركز المساعدات الأمنية على المناطق التي تتقاطع فيها ثلاثة عناصر رئيسية: وجود تهديدات إرهابية، وتوافر شركاء محليين قادرين على التعاون، وامتلاك إمكانات اقتصادية واعدة. ويشمل ذلك مناطق مثل جوبالاند وبونتلاند وصوماليلاند، التي تتمتع بأهمية استراتيجية متفاوتة رغم اختلاف أوضاعها السياسية.
التغيرات الجيوسياسية التي فرضتها الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية، واحتدام المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في شرق أفريقيا، دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في موقع الصومال ضمن حساباتها الأمنية والاقتصادية.
وتبرز قضية صوماليلاند باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية في الحسابات الأميركية. فالإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال من جانب واحد يحظى باهتمام متزايد من بعض القوى الإقليمية والدولية بسبب استقراره النسبي وموقعه القريب من باب المندب.
غير أن واشنطن تحاول الموازنة بين توسيع التعاون معه والحفاظ على موقفها الداعم لوحدة الأراضي الصومالية، تجنبًا لإثارة حساسيات إقليمية أو تشجيع نزعات انفصالية في أفريقيا.
وفي الوقت نفسه، تسعى الولايات المتحدة إلى منع تحول الصومال إلى ساحة جديدة للصراعات بالوكالة بين القوى الإقليمية. فتركيا والإمارات وقطر والسعودية ومصر وإثيوبيا وإيران وإسرائيل تمتلك جميعها مصالح متشابكة في القرن الأفريقي، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي.
ومن هنا، ترى واشنطن أن الدبلوماسية يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع التعاون العسكري لضبط التنافس الإقليمي ومنع انعكاساته على استقرار الصومال.
كما يرتبط الاهتمام الأميركي بالصومال بإعادة صياغة استراتيجية أوسع تجاه البحر الأحمر. فالإدارة الأميركية باتت تنظر إلى دول الساحل الممتد من القرن الأفريقي حتى قناة السويس باعتبارها مسرحًا أمنيًا واحدًا، تتداخل فيه قضايا الإرهاب والملاحة والطاقة والمنافسة الدولية.
ولذلك، أصبح الاستثمار في استقرار الصومال جزءًا من رؤية أشمل لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة.
ورغم أن التحديات لا تزال كبيرة، من استمرار نشاط الجماعات المسلحة إلى الانقسامات السياسية والأزمات الدستورية، فإن واشنطن تبدو مقتنعة بأن تجاهل الصومال سيمنح منافسيها فرصة لتعزيز نفوذهم في منطقة تتزايد أهميتها يومًا بعد آخر. ولهذا، فإن الرهان الأميركي لم يعد يقتصر على مكافحة الإرهاب، بل بات يشمل بناء شراكات اقتصادية وأمنية طويلة الأمد تعزز حضور الولايات المتحدة في القرن الأفريقي.
وفي المحصلة، فإن بروز الصومال في أولويات واشنطن يعكس تحولًا استراتيجيًا يتجاوز الحسابات الأمنية التقليدية. فالدولة التي ظلت لعقود تُنظر إليها باعتبارها مصدر تهديد أصبحت اليوم تُعامل باعتبارها فرصة جيوسياسية واقتصادية.
وبين حماية باب المندب، وتأمين خطوط التجارة العالمية، ومواجهة النفوذ الدولي المتصاعد في القرن الأفريقي، يبدو أن الصومال مرشح لأن يحتل موقعًا أكثر أهمية في الاستراتيجية الأمريكية خلال السنوات المقبلة.
ويعكس هذا التحول انتقالًا في الرؤية الأميركية من التركيز على احتواء التهديدات الإرهابية إلى توظيف الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية للصومال لتعزيز النفوذ الأميركي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. فالدولة المطلة على خليج عدن والقريبة من مضيق باب المندب أصبحت تمثل بالنسبة لواشنطن نقطة ارتكاز لحماية الممرات البحرية الدولية، وتأمين سلاسل الإمداد، وموازنة النفوذ المتنامي لقوى مثل تركيا والصين والإمارات وقطر.
وطوال أكثر من ثلاثة عقود، ارتبط الحضور الأميركي في الصومال بالحرب على الإرهاب، خاصة بعد معركة مقديشو عام 1993، التي شكلت محطة مفصلية في السياسة الأميركية تجاه البلاد. كما عزز استمرار نشاط حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، وظهور تنظيم"داعش-الصومال"، القناعة بأن الأولوية يجب أن تبقى للمقاربات الأمنية والعسكرية.
إلا أن المشهد الإقليمي تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة. فالتوترات في البحر الأحمر، واستهداف السفن التجارية، والاضطرابات في مضيق هرمز، أظهرت أن أمن الممرات البحرية بات جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي الأميركي. وفي هذا السياق، برز الصومال بوصفه دولة تتحكم في جزء مهم من الساحل المطل على خليج عدن، أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم.
وتزداد أهمية هذا الموقع في ظل استمرار هجمات الحوثيين على السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر، الأمر الذي دفع العديد من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مع ما ترتب على ذلك من ارتفاع في تكاليف النقل وأسعار الطاقة.
ومن هنا، ترى واشنطن أن استقرار الصومال لم يعد مرتبطًا فقط بمحاربة الجماعات المتشددة، وإنما بحماية أحد الشرايين الرئيسية للتجارة العالمية.
ولا يقتصر الاهتمام الأميركي على البعد الأمني، بل يمتد إلى الجوانب الاقتصادية أيضًا. فالصومال يمتلك احتياطيات واعدة من النفط والغاز في مياهه الإقليمية، إلى جانب إمكانات كبيرة في مجالات التعدين والثروة السمكية والموانئ والخدمات اللوجستية.
ورغم أن هذه الموارد لا تزال بحاجة إلى استثمارات واستقرار سياسي لاستغلالها، فإنها تجعل البلاد مرشحة لأن تصبح إحدى الأسواق الواعدة في شرق أفريقيا.
وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن منافسين دوليين سبقوها إلى الاستثمار في هذه الفرصة. فقد عززت تركيا حضورها في الصومال عبر التدريب العسكري، وإدارة الموانئ والمطارات، والاستثمار في البنية التحتية، وصولًا إلى التنقيب عن الطاقة في المياه العميقة.
كما وسعت دول أخرى، مثل الإمارات وقطر والصين، نفوذها الاقتصادي والسياسي في منطقة القرن الأفريقي، الأمر الذي يدفع واشنطن إلى البحث عن استراتيجية أكثر شمولًا للحفاظ على مصالحها.
ومن هذا المنطلق، لم تعد المساعدات العسكرية الأميركية تُنظر إليها باعتبارها هدفًا بحد ذاته، وإنما كوسيلة لتهيئة بيئة مستقرة تسمح بتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري.
ويبرز في هذا السياق "لواء داناب"، الذي تلقى تدريبه على يد القوات الأميركية، باعتباره نموذجًا للجمع بين بناء القدرات الأمنية وتعزيز مؤسسات الدولة.
لكن دوائر التفكير الأميركية ترى أن هذه المقاربة تحتاج إلى تطوير، بحيث تركز المساعدات الأمنية على المناطق التي تتقاطع فيها ثلاثة عناصر رئيسية: وجود تهديدات إرهابية، وتوافر شركاء محليين قادرين على التعاون، وامتلاك إمكانات اقتصادية واعدة. ويشمل ذلك مناطق مثل جوبالاند وبونتلاند وصوماليلاند، التي تتمتع بأهمية استراتيجية متفاوتة رغم اختلاف أوضاعها السياسية.
التغيرات الجيوسياسية التي فرضتها الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية، واحتدام المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في شرق أفريقيا، دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في موقع الصومال ضمن حساباتها الأمنية والاقتصادية.
وتبرز قضية صوماليلاند باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية في الحسابات الأميركية. فالإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال من جانب واحد يحظى باهتمام متزايد من بعض القوى الإقليمية والدولية بسبب استقراره النسبي وموقعه القريب من باب المندب.
غير أن واشنطن تحاول الموازنة بين توسيع التعاون معه والحفاظ على موقفها الداعم لوحدة الأراضي الصومالية، تجنبًا لإثارة حساسيات إقليمية أو تشجيع نزعات انفصالية في أفريقيا.
وفي الوقت نفسه، تسعى الولايات المتحدة إلى منع تحول الصومال إلى ساحة جديدة للصراعات بالوكالة بين القوى الإقليمية. فتركيا والإمارات وقطر والسعودية ومصر وإثيوبيا وإيران وإسرائيل تمتلك جميعها مصالح متشابكة في القرن الأفريقي، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي.
ومن هنا، ترى واشنطن أن الدبلوماسية يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع التعاون العسكري لضبط التنافس الإقليمي ومنع انعكاساته على استقرار الصومال.
كما يرتبط الاهتمام الأميركي بالصومال بإعادة صياغة استراتيجية أوسع تجاه البحر الأحمر. فالإدارة الأميركية باتت تنظر إلى دول الساحل الممتد من القرن الأفريقي حتى قناة السويس باعتبارها مسرحًا أمنيًا واحدًا، تتداخل فيه قضايا الإرهاب والملاحة والطاقة والمنافسة الدولية.
ولذلك، أصبح الاستثمار في استقرار الصومال جزءًا من رؤية أشمل لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة.
ورغم أن التحديات لا تزال كبيرة، من استمرار نشاط الجماعات المسلحة إلى الانقسامات السياسية والأزمات الدستورية، فإن واشنطن تبدو مقتنعة بأن تجاهل الصومال سيمنح منافسيها فرصة لتعزيز نفوذهم في منطقة تتزايد أهميتها يومًا بعد آخر. ولهذا، فإن الرهان الأميركي لم يعد يقتصر على مكافحة الإرهاب، بل بات يشمل بناء شراكات اقتصادية وأمنية طويلة الأمد تعزز حضور الولايات المتحدة في القرن الأفريقي.
وفي المحصلة، فإن بروز الصومال في أولويات واشنطن يعكس تحولًا استراتيجيًا يتجاوز الحسابات الأمنية التقليدية. فالدولة التي ظلت لعقود تُنظر إليها باعتبارها مصدر تهديد أصبحت اليوم تُعامل باعتبارها فرصة جيوسياسية واقتصادية.
وبين حماية باب المندب، وتأمين خطوط التجارة العالمية، ومواجهة النفوذ الدولي المتصاعد في القرن الأفريقي، يبدو أن الصومال مرشح لأن يحتل موقعًا أكثر أهمية في الاستراتيجية الأمريكية خلال السنوات المقبلة.

















