> جلال الصمدي :

​في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى مواجهة التغيرات المناخية بوصفها أحد أخطر تحديات القرن الحادي والعشرين يجد اليمن نفسه في قلب هذه الأزمة العالمية،رغم أنه لم يكن يومًا من أكبر المساهمين في مسبباتها.غير أن تداعياتها في هذا البلد تبدو أكثر قسوة،لأنها تتقاطع مع واقع مثقل بالصراع،وأزمات اقتصادية وإنسانية متراكمة،تراجعت معها الخدمات الأساسية حتى أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للسكان،وتركت آثارًا عميقة في نفوسهم،وأعادت تشكيل حياة الملايين عامًا بعد آخر،إلى جانب بنية تحتية منهكة وقدرات محدودة على التكيف والاستجابة.

ووفق تقرير المناخ والتنمية الخاص باليمن الصادر عن البنك الدولي،فإن نحو 50% من سكان اليمن معرضون لواحد أو أكثر من المخاطر المناخية الرئيسية،مثل الفيضانات أو الجفاف أو موجات الحر الشديد،وهو ما يضع البلاد ضمن أكثر الدول هشاشة في مواجهة تغير المناخ،ويزيد من الضغوط على الأمن الغذائي والاقتصاد وسبل العيش.ولا تقتصر المخاطر على الحاضر فحسب،إذ يحذر التقرير من أن استمرار التغيرات المناخية دون إجراءات فعالة للتكيف قد يؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لليمن بنحو 3.9% بحلول عام 2040م،نتيجة تراجع الإنتاج الزراعي،واستنزاف الموارد المائية،والأضرار المتزايدة التي تلحق بالبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية.وفي بلد يعتمد ملايين السكان فيه على الزراعة والرعي والصيد كمصادر رئيسية للدخل، تبدو التغيرات المناخية تهديدًا مباشرًا لحياة الناس اليومية، إذ لم تعد آثارها تقتصر على الظواهر الطبيعية، بل امتدت إلى أسعار الغذاء،وتوفر المياه،واستقرار المجتمعات الريفية والساحلية، وقدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية.

وفي هذا التقرير،نرصد تداعيات التغيرات المناخية في اليمن، وكيف أصبحت تهدد أحد أهم مقومات حياة اليمنيين: خبزهم وثروتهم البحرية، بالاعتماد على ما ورد في تقرير المناخ والتنمية الخاص باليمن الصادر عن البنك الدولي، وتقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC).

كما يبحث التقرير في السؤال الأكثر إلحاحًا:-هل اليمنيون شركاء في صناعة أزمة التغيرات المناخية أم ضحايا يدفعون ثمنها؟وكيف يمكن لبلد يواجه هذه التحديات المتشابكة أن يحمي موارده الطبيعية ويعزز قدرته على التكيف والصمود أمام مستقبل مناخي أكثر صعوبة؟والبداية من:-
  • -اليمن والتغيرات المناخية...أزمة تتفاقم بصمت
خلال السنوات الأخيرة شهدت العديد من المحافظات اليمنية مثل محافظة حضرموت والمهرة وسقطري والحديدة والضالع وأبين ولحج وتعز وإب موجات متكررة من السيول والعواصف المطرية،ألحقت أضرارًا كبيرة بالأراضي الزراعية والطرق والمنازل وأدت إلى نزوح مئات الأسر وخسائر في الأرواح والممتلكات ومن موسم إلى آخر،تتكرر السيول المدمرة،وتتغير أنماط هطول الأمطار،وترتفع درجات الحرارة، وتتراجع الموارد المائية، بينما تتسع رقعة الأراضي المتضررة من الجفاف والتصحر وفي المقابل،تعاني محافظات ومناطق أخرى في اليمن من تناقص معدلات هطول الأمطار، وارتفاع درجات الحرارةوتراجع مخزون المياه الجوفية الأمر الذي يزيد من الضغوط على القطاع الزراعي، ويقلص إنتاج المحاصيل، ويرفع مخاطر انعدام الأمن الغذائي.


وحول هذا الموضوع تؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) أن التغيرات المناخية في اليمن باتت أحد أبرز التحديات التي تواجه الزراعة في اليمن،في ظل تزايد ندرة المياه، وتكرار موجات الجفاف والفيضانات، وتدهور الأراضي الزراعية، وهي عوامل تهدد استدامة الإنتاج الغذائي ومصادر الدخل لملايين السكان في الريف.
  • -هل الإنسان في اليمن مذنب أم ضحية يدفع ثمن أفعال غيره؟
تشير تقرير المناخ والتنمية الصادرة عن البنك الدولي إلى أن نحو 50% من سكان اليمن معرضون لواحد أو أكثر من المخاطر المناخية الرئيسية،مثل الجفاف والفيضانات وموجات الحر،وهي أخطار تضاعف من انعدام الأمن الغذائي والفقر،خصوصًا في المجتمعات الريفية التي يعتمد سكانها على الموارد الطبيعية في تأمين معيشتهم.فكلما اجتاحت السيول قرية يمنية،أو جفت بئر كانت تمثل شريان الحياة لعشرات الأسر،أو خسر مزارع موسمه بسبب اضطراب الأمطار وارتفاع درجات الحرارة،أو عاد صياد في المناطق الساحلية إلى الشاطئ بشباك شبه فارغة يتكرر السؤال ذاته: ما ذنب المزارع والصياد والإنسان اليمني ككل؟

الإجابة التي تجمع عليها التقارير الدولية تبدو واضحة؛فاليمن ليس من الدول المسببة لأزمة التغيرات المناخية،لكنه يقف اليوم في مقدمة الدول التي تتحمل كلفتها الإنسانية والاقتصادية لأن التغيرات المناخية لم تأت إلى بلد مستقر يمتلك موارد كافية للتكيف،بل إلى دولة أنهكتها سنوات من الصراع والتراجع الاقتصادي وتدهور الخدمات الأساسية. ولذلك، تتحول كل كارثة مناخية إلى أزمة مركبة، تبدأ بخسائر في القطاع الزراعي أو القطاع السمكي، ولا تنتهي عند ارتفاع أسعار الغذاء،أو نزوح الأسر،أو اتساع رقعة الفقر.بل تصبح قضية إنسانية وتنموية تمس حق الإنسان في الغذاء والمياه والعمل والحياة الكريمة.
  • -الأمن الغذائي...معركة يخوضها اليمن على جبهتين
التغيرات المناخية في اليمن لا تنفصل عن أزمة الأمن الغذائي فكلتاهما تتغذيان على الأخرى فالتغيرات المناخية تؤدي إلى تقلص الإنتاج في القطاعين الزراعي والسمكي بينما يؤدي تراجع الإنتاج إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد وارتفاع الأسعار،واتساع رقعة الفقر "الجوع".ويرى خبراء أن أخطر ما في التغيرات المناخية أنها لا تدمر موسمًا زراعيًا واحدًا فقط، بل تقوض قدرة المجتمعات على الصمود على المدى الطويل، إذ يفقد المزارع محصوله، ويخسر الصياد مصدر رزقه، وتفقد الأسرة قدرتها على توفير الغذاء بصورة منتظمة، لتدخل في دائرة متكررة من الفقر وانعدام الأمن الغذائي.  


وفي هذا الصدد يؤكد البنك الدولي أن أكثر من نصف سكان اليمن يعانون من انعدام الأمن الغذائي،فيما كان نحو 17مليون يمني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي وفق تقديرات دولية،وهي أرقام تعكس هشاشة النظام الغذائي في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجاته الأساسية.وتشير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن تكرار موجات الجفاف والفيضانات وتدهور الأراضي الزراعية، وندرة المياه، عوامل تقلص القدرة على إنتاج الغذاء محليًا، وتزيد من اعتماد الأسر على الأسواق، في وقت تتراجع فيه القوة الشرائية وترتفع تكاليف المعيشة.
  • -القطاع الزراعي في اليمن...بين قسوة المناخ وندرة المياه
يقف القطاع الزراعي في بلادنا اليمن من بين أكثر القطاعات التي دفعت ثمن الحرب في اليمن،فهو ليس مجرد قطاع إنتاجي،بل يمثل شريان الحياة لملايين اليمنيين،ومصدرًا رئيسيًا للأمن الغذائي،وفرص العمل، والاستقرار الاقتصادي.فسنوات الحرب التي اندلعت في العام 2015م فرضت واقعًا بالغ القسوة، وأدخلت هذا القطاع في دوامة من التحديات والخسائر التي ما تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.فخلال السنوات الأخيرة واجه المزارعين في بلادنا خسائر فادحة بسبب تدمير الأراضي الزراعية حيث أدت الفيضانات المفاجئة في محافظات حضرموت والحديدة وأبين ولحج وتعز والضالع إلى تدمير آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية،بينما تسبب مواسم الجفاف المتكررة في العديد من المناطق وارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص الوقود والأسمدة والبذور، وتعطل حركة التسويق، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج الزراعي واتساع فجوة الأمن الغذائي،مما زاد من معاناة أبناء شعبنا في ظل ظروف مأساوية.

ويحذر البنك الدولي من أن استمرار السيناريوهات التغيرات المناخية السلبية قد يؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لليمن بنحو 3.9% بحلول عام 2040م،نتيجة تراجع إنتاجية المحاصيل والأضرار التي تلحق بالبنية التحتية الزراعية والموارد المائية.وفي المقابل،يؤكد التقرير أن الاستثمار في الزراعة الذكية مناخيًا،وتحسين إدارة المياه،وحصاد مياه الأمطار،يمكن أن يرفع إنتاجية المحاصيل بنسبة تصل إلى 13.5% خلال العقود المقبلة، ما يبرز أهمية التحول نحو سياسات زراعية أكثر قدرة على التكيف مع المناخ.
  • -القطاع السمكي في اليمن..والتغيرات المناخية 
يمثل القطاع السمكي في اليمن أحد أهم القطاعات الإنتاجية والاقتصادية،وأحد الركائز الأساسية للأمن الغذائي والتنمية المستدامة، لما يمتلكه من مقومات طبيعية جعلت اليمن من أغنى دول المنطقة بالموارد البحرية. فبفضل موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، وشريطها الساحلي الممتد لأكثر من (2500) كيلومتر، إلى جانب أكثر من 180 جزيرة، تتمتع البلاد بتنوع بيولوجي بحري فريد وموارد سمكية غنية أسهمت لعقود في توفير الغذاء وفرص العمل وتعزيز الاقتصاد الوطني.

ويُعد القطاع السمكي مصدرًا رئيسيًا للدخل وسبل العيش لمئات الآلاف من الأسر الساحلية، إذ يعتمد عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة ما يقارب 70 في المائة من سكان المناطق الساحلية، سواء من خلال أنشطة الصيد أو النقل أو التصنيع أو التسويق والخدمات المرتبطة بالقطاع. كما يمثل أحد القطاعات الواعدة القادرة على الإسهام في زيادة الصادرات وتنويع مصادر الدخل القومي، وتعزيز الأمن الغذائي في بلد يعاني تحديات اقتصادية وإنسانية متفاقمة.

ويشير تقرير المناخ والتنمية الخاص باليمن الصادر عن البنك الدولي إلى أن القطاع السمكي من أكثر القطاعات عرضة لتداعيات تغير المناخ، حيث تشير التوقعات إلى احتمال تراجع القدرة الإنتاجية للمصائد السمكية بنسبة تصل إلى 23% بحلول منتصف القرن في ظل السيناريوهات المناخية الأكثر تشاؤمًا، نتيجة ارتفاع حرارة المياه والتغيرات التي تطرأ على الأنظمة البيئية البحرية.ولا يعني ذلك خسارة اقتصادية فقط، بل يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي وسبل عيش المجتمعات الساحلية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الثروة السمكية كمصدر للدخل والبروتين الغذائي

ووفق البنك الدولي،فقد تعرض القطاع السمكي في اليمن لضغوط كبيرة خلال السنوات الماضية بسبب الصراع وضعف البنية التحتية، إلى جانب الضغوط المناخية، ما أثر على الإنتاج وسلاسل القيمة المرتبطة بالصيد والتسويق والتصدير. كما تشير التقديرات إلى أن صادرات القطاع تراجعت، وأن تعزيز الاستدامة يتطلب تحسين إدارة المصائد وتأهيل البنية التحتية ودعم المجتمعات الساحلية.

وأخيراً في اليمن،لم تعد التغيرات المناخية أزمة مؤجلة أو خطرًا بعيدًا،بل أصبحت واقعًا يلامسه المواطن في حياته اليومية؛في مزارع تضررت بفعل السيول والجفاف، وفي آبار تتراجع مياهها عامًا بعد آخر، وفي سواحل يواجه صيادوها تحديات متزايدة للحفاظ على مصدر رزقهم.

ومع استمرار هذه التحديات،يبقى اليمن أمام معركة تتطلب أكثر من مجرد مواجهة الكوارث بعد وقوعها، بل تحتاج إلى رؤية طويلة الأمد تعزز قدرة القطاعات الزراعية والسمكية على التكيف، وتحمي الموارد الطبيعية، وتدعم المجتمعات الأكثر تأثرًا.فالزراعة ليست مجرد إنتاج غذائي، والبحر ليس مجرد مساحة مائية، بل هما شريانان أساسيان لحياة ملايين اليمنيين واستقرارهم الاقتصادي والاجتماعي. وأي تهديد يطالهما يعني تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي وسبل العيش ومستقبل الأجيال القادمة.

وبين تحديات الحاضر ومخاوف المستقبل،يبقى الرهان الأكبر هو قدرة اليمنيين على تحويل مواجهة التغيرات المناخية من استجابة طارئة إلى مشروع وطني لحماية الإنسان والأرض والبحر،والحفاظ على الموارد التي تمثل أساس الحياة والاستقرار.

مصادر ومراجع التقرير:-
-البنك الدولي-تقرير المناخ والتنمية الخاص باليمن (Yemen Country Climate and Development Report)
-منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)
-برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) 
-الأمم المتحدة-مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية(OCHA)
-الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)