> «الأيام» عماد السامعي:
بلغت صادرات اليمن من المنتجات الزراعية مثل البن و المانجو والموز، والعنب، والرمّان وغيرها في مطلع الألفية بقيمة حوالي 100 مليون دولار، في ذات الوقت كان الاتحاد الأوروبي أعلن اعتزامه السماح بدخول المنتجات الزراعية اليمنية دون رسوم أو قيود إلى دول الاتحاد الأوروبي.

ولكن تراجع الإنتاج والتصدير الزراعي لم يكن مفاجئاً بسبب مشكلة واحدة، بل بسبب سلسلة من المشاكل والتحديات، ففي ثمانينات القرن الماضي تم اكتشاف النفط وتحول اهتمام الدولة نحوه، وتُرك قطاع الزراعة بدون استثمارات حقيقية، والمزارعون لا تصلهم أي تسهيلات تشجعهم وتساعدهم على تحسين وزيادة الإنتاج الزراعي، قد يبدو الأمر بسيطًا لكن تأثيره ما يزال عميقًا إلى الآن.
- المبيدات والدمار للمحاصيل
أصبحت أغلب دول العالم، تطرح شروطًا قوية على جودة وسلامة المنتجات الزراعية، وباتت تطالب بمنتج نظيف وخالٍ من متبقيات المبيدات أو سلوكيات غير صحية باستخدام المبيدات الزراعية والتي تؤثر على مستهلكي المنتجات الزراعية.

وفي اليمن أصبح استهلاك المبيدات الزراعية بكميات كبيرة، وهذا مقلق مع وجود نسبة كبيرة يتم تهريبها، وتُشير تقارير إلى أن اليمن استورد في عام 2023، نحو 14.5 مليون لتر من المبيدات الزراعية، هذه الكمية دخلت بطريقة رسمية ومرخصة من قبل السلطات الحكومية، بينما كميات المبيدات المهرّبة، بما فيها المحظورة، فتبقى مجهولة.
هذا الاستخدام الواسع والعشوائي للمبيدات يلحق أضرارًا كبيرة بالتربة والمحاصيل، وأظهرت دراسات حديثة خطورة الوضع في بعض المناطق الزراعية، حيث بيّن تحليل لعينات تربة في محافظة الضالع وجود تركيز مرتفع لعنصر الرصاص بلغ 9.9 مليغرام لكل كيلوغرام، أي أعلى من الحد المسموح به عالميًا بتسعة أضعاف. تمتص النباتات هذه المواد من التربة، ثم تنتقل لاحقًا إلى المحاصيل والثمار التي تصل إلى المستهلك.
وتفرض العديد من الدول حدودًا صارمة جدًا على بقايا مخلفات المبيدات المستخدمة للآفات في المنتجات الزراعية، ولا تسمح إلا بنِسَب ضئيلة للغاية، بينما تحظر دول أخرى استخدام بعض المبيدات بشكل كامل، حتى لو كانت الكمية قليلة جدًا.
في المجمل هذه المعايير التي تتخذها الدول ربما تمنع استيراد أي منتجات زراعية وهذا يحتاج ضوابط صارمة للاستيراد ومكافحة التهريب وتوعية المزارعين بخطورة ذلك، وتأثيرها على تصدير المنتجات الزراعية اليمنية.
- الحرب وعجّلة الانهيار
إذا كانت التحديات السابقة قد أضعفت القطاع الزراعي بشكل كامل، فإن الحرب كانت الضربة التي عجّلت بانهيار عملية التصدير سواء إلى الأسواق المحلية أو الخارجية، قبل اندلاع الحرب حققت الصادرات الزراعية اليمنية عائدًا سنويًا يتراوح بين 150 و200 مليون دولار، وفق بيانات البنك الدولي عام 2013.

لكن مع استمرار الحرب التي اندلعت أواخر العام 2014، تراجعت هذه الصادرات بنسبة تجاوزت 70 %، وتكبد القطاع الزراعي خسائر كبيرة قُدّرت بأكثر من 6 مليارات دولار في عام 2015 فقط وفق تقديرات اقتصادية، في حين لا توجد تقديرات إجمالية بالخسارة.
رغم أن الزراعة لم تتوقف بسبب الحرب، لكن الظروف تغيّرت كليًّا؛ الطرق تدمرت وأصبحت خطرة، والموانئ والمنافذ تعطلت، وكثرت نقاط التفتيش، وارتفعت تكاليف النقل والوقود بشكل كبير، هذه العوامل جعلت نقل المنتجات الزراعية من مناطق الإنتاج إلى الأسواق الخارجية أمرًا صعبًا ومكلفًا.
ولم يقتصر تأثير الحرب على الخسائر المادية فقط، بل أضعف أيضًا المنظومة المؤسسية والرقابية، أصبح تنظيم التصدير ومتابعة جودة المنتجات أكثر صعوبة، ما زاد من التحديات التي تواجه القطاع الزراعي.
بالإضافة إلى ذلك وجد المزارعون أنفسهم يواجهون التحديات المختلفة، ولم توفر لهم حتى خدمات الإرشاد الزراعي ووسائل التسويق التي من المفترض تبدأ من المزرعة، وتسببت العشوائية في الزراعة بزيادة الكساد في المنتجات الزراعية خلال السنوات الماضية.
- ضعف منظومة التسويق والرقابة
التصدير الزراعي لا يعتمد على المزارع وحده، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة ومستمرة، تبدأ بالإرشاد أثناء الزراعة، ومتابعة استخدام المبيدات، وفحص المحاصيل قبل الحصاد، بعد ذلك يتم تحليل المحاصيل مخبريًا، وصولًا إلى إصدار الشهادات الصحية والتصديرية.

بعد ذلك يتم إيجاد خطط واضحة لتسويق المنتجات داخل اليمن وخارجه، لضمان وصولها إلى الأسواق المختلفة بكفاءة عالية، بحيث يكون المنتج الزراعي اليمني منافسًا في الأسواق بجودته وخاصة في الأسواق الخليجية.
تكمن المشكلة في اليمن في غياب نظام زراعي متكامل؛ ففي كثير من المناطق لا يتوفر مرشدون زراعيون لمتابعة المزارعين وتوجيههم، كما أن المختبرات القادرة على فحص متبقيات المبيدات في المحاصيل غير متوفرة بالقدر الكافي، وبعضها غير معترف به في الأسواق الخارجية، الأمر الذي يقلل من فرص قبول المنتجات للتصدير.
كما يبرز غياب الاستراتيجيات للقطاع الزراعي بعدم وجود خطة وطنية واضحة لتسويق المنتجات الزراعية اليمنية، بالإضافة إلى أن غياب اليمن في المعارض الدولية بسبب عدم وجود شركات متخصصة في الإنتاج والتصدير تعمل بكفاءة عالية.
وغالبية المنتجات الزراعية في العالم لا تُباع بالجودة فقط، بل باسم المنتج وسمعة البلد، والترويج الجيد عبر المعارض الدولية والاتفاقيات مع المتاجر الكبرى وسلاسل التسويق العالمية، وكل هذا يحتاج إلى خطط استراتيجية وطنية تشجع وتدعم ذلك.
وتعد أبرز مشاكل الزراعة في اليمن ضعف التسويق، ونقص البنية التحتية، وصعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية، هذه العوامل ما تزال تعيق تطور التصدير الزراعي حتى اليوم، وضاعفتها الحرب خلال السنوات الماضية.
ومن أبرز التحديات التي يواجهها المزارعون عملية نقل المحاصيل وتخزينها بطريقة تحافظ على جودتها؛ لأن هذا يحدد نجاح التصدير؛ فالمنتجات لا تُقاس جودتها في المزرعة فقط، بل بقدرتها على الوصول إلى الأسواق سليمة وفي الوقت المناسب.
تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» إلى أن خسائر ما بعد الحصاد في اليمن تصل إلى 30 % من الإنتاج بسبب سوء النقل والتعبئة والتخزين؛ ما يعني أن ثلث جهود المزارع وموارده يمكن أن يضيع إذا لم يُنقل المنتج ويُخزن بطريقة صحيحة.
وتحتاج المنتجات الزراعية الطازجة من الفواكه والخضروات إلى رعاية خاصة، سواء في التعبئة الجيدة والتبريد والنقل السريع. وبدون ذلك ستتلف المنتجات قبل الوصول إلى السوق؛ مما يؤدي إلى خسارات كبيرة وسمعة سيئة للمنتج.
- القات وتهديد القطاع الزراعي
تسبب التوسع الكبير في زراعة القات بشكل سلبي على زراعة المحاصيل الأخرى، وتشير الدراسات إلى أن عدد أشجار القات المزروعة في اليمن حوالي 350 مليون شجرة حتى عام 2019، وزادت مساحة الأراضي المزروعة بنسبة تزيد عن 40 % في بعض المناطق خلال خمس سنوات (ما بين عامي 2016-2021).

ويحتاج القات إلى كميات كبيرة من المياه، ويستهلك حوالي 30 % من المياه الجوفية، وبسبب الأرباح الكبيرة التي يحققها المزارعون من القات، يفضّلون زراعته على المحاصيل الأخرى، ووفق تقرير منظمة الهجرة الدولية عام 2014، فإن أحد المزارعين في مدينة رداع حقق أرباحًا تقدر بحوالي نصف مليون دولار أمريكي للهكتار الواحد من القات.
- أرقام لافتة للتصدير
وتعد فاكهة المانجو من أبرز المنتجات الزراعية اليمنية التي تحظى بطلب كبير في الخارج وخاصة دول الخليج، وتحتل اليمن المركز الثالث عربياً في إنتاج المانجو بعد مصر والسودان، بكمية إنتاج بلغت 336 ألف طن عام 2021، وفق موقع «ورلد بوبيوليشن ريفيو» الأمريكي.
وبالرغم من التقلبات التي أثرت على الإنتاج، تشير بيانات موسم 2024، إلى وصول إنتاج المانجو إلى حوالي 200 ألف طن، وتم تصدير حوالي 120 ألف طن، بينما تم تسويق 80 ألف طن محليًا؛ ما يعكس تحسنًا ملحوظًا في سلاسل الإنتاج والتسويق والتصدير.
أما محصول فاكهة الرمان، فقد وصل الإنتاج إلى حوالي 70 ألف طن في موسم 2024، وتم تصدير 57 ألف طن غالبيتها إلى دول الخليج، هذه الكميات تؤكد أن الطلب الإقليمي على المنتج الزراعي اليمني مازال قائمًا، وأن المشكلة ليست في السوق، بل في قدرتنا على تنظيم الإنتاج وتوحيد الجودة لتلبية هذا الطلب وتوسيعه.
وفيما يخص البن اليمني، فإن تجربة القهوة تُعد نموذجًا ناجحًا نسبيًا، حيث وصل الإنتاج إلى حوالي 21 ألف طن في 2019، بقيمة تصديرية نحو 20.2 مليون دولار، ويمثل التصدير نحو 60 % من الإنتاج. ويحافظ البن اليمني على مكانته كعلامة فاخرة في السوق العالمية، رغم محدودية الكميات المنتجة مقارنة بالدول المنافسة؛ ما يعكس القيمة العالية للمنتج اليمني.












