> نجوى حسن وإلهام القاضي:
بدت الأعراض في البداية عادية: حمى وزكام شديدان، شبيهان بما أصاب أشقاءها الكبار. لكن جسد نجمة، الطفلة ذات الأشهر العشرة، لم يحتمل المرض.

لم تكن أم نجمة تعرف أن تلك الأعراض هي بداية إصابة بالحصبة، المرض شديد العدوى الذي ينتقل سريعًا بين الأطفال، ويصبح أكثر خطورة في المناطق التي تعاني من سوء التغذية وانخفاض معدلات التحصين.
- ظروف معيشية قاسية في مواجهة الحصبة
مع تدهور حالة نجمة، لم تجد والدتها في المنزل سوى دواء شراب خافض للحرارة. فالأسرة، مثل أغلب سكان المنطقة، لا تمتلك دخلًا ثابتًا، وفقًا لما تقوله الأم. وتوضح في حديثها أن المعاناة لم تكن مع المرض وحده، بل مع كلفة الانتقال الشاقة والبحث عن الرعاية واللقاح.
في اليوم الثالث من إصابة نجمة، ساءت حالتها، ما اضطر والدها إلى استئجار سيارة نقل بكلفة باهظة والتوجه بها إلى مركز صحي في منطقة أسفل نجد، في رحلة تستغرق أكثر من ساعة ونصف بالسيارة.
- قلة المراكز الصحية وفقدان الأرواح
تقول أم نجمة إنها حرصت على تطعيم طفلتها ثلاث مرات، حين كانت فرق التحصين الميدانية تصل إلى القرية، وتحمل معها بطاقات التطعيم واللقاحات. لكن عندما حان موعد الجرعة الأخيرة، المقررة في الشهر التاسع، كانت الفرق قد توقفت عن الحضور، وطُلب منها التوجه إلى المركز الصحي للحصول على اللقاح.

وتنظر الأم إلى أطفال القرية الذين يلاحقهم المرض في ظل غياب مركز طبي قريب، وتقول إن الحصبة لا تزال منتشرة في قرية الغربية بين أكثر من 20 طفلًا.
- سوء التغذية والحصبة: ثنائي قاتل
في القرى النائية، يخوض الأطفال معركة شرسة مع فيروس الحصبة بأجساد هزيلة أنهكها الفقر وسوء التغذية.
ويقول أمين الشريف، العامل في قسم التغذية الحاد «TFC» في مستشفى السويدي، إن سوء التغذية الحاد والوخيم يؤدي دورًا مباشرًا وأساسيًا في زيادة إصابة الأطفال بالفيروسات المختلفة، وفي مقدمتها الحصبة، نتيجة الانخفاض الحاد في كفاءة الجهاز المناعي وضعف الجسم عمومًا.
وأشار الشريف إلى أن تدهور الوضع المادي للأسر يمثل عائقًا كبيرًا أمام تعافي الأطفال. فالظروف المعيشية الصعبة تجعل كثيرًا من الأسر عاجزة عن شراء المكملات الغذائية اللازمة لاستكمال مرحلة العلاج. وقال إن النقص في الرعاية والمكملات الغذائية قد يؤدي إلى انتكاس حالة الطفل بعد خضوعه للتغذية العلاجية، وتراجع وضعه الصحي مجددًا بعد التحسن.
وفي منطقة جبل حبشي بمحافظة تعز، تواجه أم ليان، الطفلة البالغة من العمر عامًا و11 شهرًا، معادلة قاسية بين توفير متطلبات المعيشة وتأمين علاج ابنتها المصابة بالحصبة. تقول الأم: «اضطررت إلى الاستدانة من الجيران والأقارب لتوفير العلاج. وأحيانًا أكتفي بشراء مهدئات لتخفيف آلام ليان قبل إسعافها إلى مستشفى السويدي».
- الخوف والمعلومات المضللة
شهد اليمن تفشيًا متزايدًا للحصبة بين الأطفال، في ظل انخفاض معدلات التغطية باللقاحات، وتأخر استكمال الجرعات، ورفض بعض الأمهات تطعيم أطفالهن بسبب معلومات مغلوطة عن اللقاح وأعراضه.

في شارع الثلاثين بمدينة تعز، تقول أم غزال عبدالله، البالغ من العمر عشرة أشهر، إنها رفضت في البداية تطعيم طفلها خوفًا من أن يصاب بالحمى بعد تلقي اللقاح و هي نادمة على عدم أخذه اللقاح.
وبحسب إحصاءات مستشفى السويدي، سُجلت 158 حالة إصابة بالحصبة وست وفيات منذ مطلع العام.
ويقول تيسير السامعي، المسؤول الإعلامي في مكتب الصحة بمحافظة تعز، إن السبب الرئيسي وراء التفشي الراهن وتسجيل هذا العدد من الإصابات والوفيات بين الأطفال يعود إلى انخفاض التغطية باللقاحات وتأخر استكمال الجرعات. وأضاف أن التطعيم بالجرعات الكاملة يمثل «السلاح الوحيد والفعال لمواجهة المرض ومنع مضاعفاته الخطيرة».
وأشار السامعي إلى أن وزارة الصحة كانت قد وضعت استراتيجية رسمية لإعلان اليمن دولة خالية تمامًا من الحصبة بحلول عام 2015. لكن اندلاع الحرب في العام نفسه أدى، بحسب قوله، إلى انتكاسة كبيرة وعودة انتشار المرض.
وأضاف أن نسبة تفشي المرض في تلك المناطق تتجاوز 70 في المئة، بحسب ما قال إنها تقارير لمنظمة الصحة العالمية، نتيجة التوقف التام لعمليات التحصين، ما يؤدي إلى وفاة كثير من الأطفال من دون رصد دقيق.
وأكد السامعي عدم وجود نقص في شحنات اللقاحات، قائلًا إن اللقاحات متوفرة مجانًا وآمنة، وتخضع لسلسلة تبريد مضمونة في المرافق الصحية التابعة للحكومة الشرعية.
لكنه أضاف أن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف الوعي، وتأثر بعض الأسر بالمعلومات المغلوطة، إلى جانب صعوبة وصول سكان المناطق الريفية إلى المراكز الصحية.
- قسم عزل يتجاوز طاقته
داخل مستشفى السويدي، تظهر صورة أخرى لحجم التفشي. يقول محمد القحطاني، رئيس قسم العزل في المستشفى، إن القسم يستقبل يوميًا أكثر من ست حالات إصابة بالحصبة، وهو عدد يفوق طاقته الاستيعابية. ويضطر الطاقم الطبي أحيانًا إلى إخلاء غرف مخصصة لعزل المصابين بأمراض أخرى، مثل السعال الديكي والإسهالات، لاستقبال مرضى الحصبة.
وأوضح أن كثيرًا من الأسر تصل إلى المستشفى في مراحل متأخرة، بسبب ضعف الوعي الصحي أو صعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية. ومع عدم كفاية قسم العزل لاستيعاب الحالات، يضطر الكادر الطبي أحيانًا إلى وضع ثلاثة أو أربعة أطفال من الأسرة الواحدة على سرير واحد. ومع ذلك، يؤكد القحطاني أن المستشفى لا يرفض استقبال أي حالة.
يبدأ البروتوكول الطبي بفحص الطفل عند بوابة المستشفى. وإذا اشتبه الأطباء في إصابته، يُحوّل مباشرة إلى قسم العزل، مع توفير المعقمات وإلزام الكادر بارتداء القفازات، لحماية العاملين الصحيين والأسر وبقية المرضى من انتقال العدوى.
وقال القحطاني إن التطعيم يظل الوسيلة الأهم للوقاية من الحصبة. فالطفل المطعّم قد يصاب بالمرض، لكن أعراضه تكون أخف مقارنة بالأطفال غير المطعّمين، الذين يصبحون أكثر عرضة لمضاعفات خطيرة. وتشمل هذه المضاعفات الالتهاب الرئوي، والتهابات المسالك البولية والأمعاء، والتهاب غشاء العين واحمرارها. وقد تصل في بعض الحالات إلى الصمم أو العمى.
وأشار القحطاني إلى أن حملات التحصين تواجه حملات تشويه يقودها بعض المتشددين، الذين يروجون لمعلومات مضللة عن اللقاحات، ويزعمون أنها قادمة من دول غربية أو أنها«تخدم اليهود»، كما يرددون أنها قد تسبب الوفاة.
وأكد أن هذه المزاعم غير صحيحة. فاللقاح قد يؤدي إلى ارتفاع بسيط في درجة حرارة الطفل، لكنه لا يسبب الوفاة.
وبحسب القحطاني، يعود السبب الرئيسي لوفيات الحصبة إلى تأخر الأسر في إسعاف أطفالها إلى المستشفى، إذ تصل بعض الحالات بعد تفاقم المضاعفات ودخولها مراحل حرجة للغاية. وشدد على أن التطعيم والإسعاف المبكر يسهمان بدرجة كبيرة في الحد من انتشار المرض وتقليل الوفيات.
وحذر من أن استمرار انتشار الحصبة من دون تدخل عاجل قد يحولها إلى وباء واسع الانتشار، نظرًا إلى شدة عدوى المرض، ما ينذر بارتفاع الوفيات ومضاعفة الخسائر المادية والإنسانية على الأسر المنهكة أصلًا.
يمن مونيتر














