ليس عيباً أن نختلف، وليس نقيصةً أن تتعدد الأصوات، وليس انحرافاً أن تتشعب الرؤى. إنما العيب كل العيب أن نتوهم أن الاختلاف شر، وأن التعدد خطر، وأن من خالفنا في الرأي قد خاننا في الوطن.
تأملوا معي هذا الكون العظيم، وتلك المخلوقات التي تنبض بالحياة في أرجائه؛ أليست قائمةٌ على التنوع؟ ألم يخلق الله البشر مختلفين في ألوانهم، وألسنتهم، وأشكالهم، وأحجامهم، وعقولهم؟ أبيضُ البشرة وأسودها، طويل القامة وقصيرها، رفيع البنية ومكتنزها، غني اللغة وفقير البيان، حاد الذهن وبطيء الفطنة.
كل هذا التنوع لم يكن عبثاً، ولم يكن خللاً في الخلقة، بل كان آيةً باهرة على عظمة الصانع، وحكمةً بالغة في تصميم الوجود.
فإذا كان الله الذي لا إله إلا هو، خالق السماوات والأرض، قد شاء أن يجعل التنوع سمةً راسخة في هذا الكون، وسنةً ماضية في خلقه، فكيف بنا نحن البشر نتجرأ على أن ننفي الآخر، ونغلق باب الوطن في وجه المخالف، ونظن أننا نملك وحدنا الحقيقة المطلقة، وأن من سوانا على خطأ أو في ضلال؟
الجنوب فضاءٌ مترامٍ يتسع للجميع، ارضه تحتضن كل الخطى، وسماؤه تظلل كل الرؤوس، وماضيه يروي حكايات الجميع، ومستقبله يكتب بأقلام الجميع.
الجنوب الذي لا يتسع لأبنائه المختلفين، يهدم نفسه بنفسه، ويضعف كيانه بيديه.
المشكلة الحقيقية هي في كيفية إدارة هذا الاختلاف.
الفن الحقيقي في السياسة، والذكاء الحقيقي في المجتمع، لا يكمن في إلغاء الخلاف، بل في احتوائه، وفي تحويل طاقته من صراع هدام إلى تنافس بناء، وفي جعل التعدد مصدر قوة لا مدعاة للضعف.
وهنا يمكن ان نقول بانه عبارة "فرقاء السياسة شركاء الوطن".
وإننا كلما أدركنا أن الاختلاف رحمة، وأن التعدد قوة، وأن الوطن يتسع للجميع، كنا أقرب إلى نضج سياسي يليق بعظمة الشعب وقدسية الوطن.
وفي زمنٍ تتصارع فيه الأصوات، وتتشابك فيه الرؤى، وتتداخل الأهواء، يبقى الوطن هو الثابت الوحيد الذي لا يحتمل التجزئة، والسقف الذي لا يعلوه سقف، والأرض التي مهما اختلفنا في طريق الوصول إليها، فإننا جميعاً نسكن أديمها ونستظل بسمائها.
أولًا: فك مغالطة "العدو"
لكي نترجم شراكة الوطن إلى سلوك عملي، علينا أن نبدأ بتجريد لغتنا السياسية من مفردات التخوين والتهميش.
السياسة ليست معركة إبادة، بل هي ساحة تنافس على تقديم الأفضل.
عندما نفهم أن الطرف الآخر ليس "خصماً يجب تحطيمه"، بل "شريكاً في المصير" نختلف معه في طريقة العبور، لا في منتهى الرحلة، حينها يتحول المشهد من ساحات للجدل العقيم إلى ورش للبناء المتقن.
ثانياً: السلوك العملي هو "إدارة الاختلاف"
الترجمة العملية للشراكة الوطنية تقتضي منا أن نرفع سقف التوافق على الثوابت الوطنية، وأن نخفض سقف الخلاف على المتغيرات الفرعية.
السلوك المطلوب هو أن نختلف في الرأي، ولا نختلف في مصير الوطن؛ أن نتجادل في الوسيلة، ولا نتشاجر على الغاية.
إن احترام الاخر، والاعتراف بالتعدد والتنوع في اطار وحدة الهدف، وتحويل الحوار الى ثقافة وجعله لغة مشتركة بين الجميع هو أول درجات هذه الشراكة.
فقدسية الوطن ومصلحة الشعب هي من يمنع الفرقاء من التحول إلى أعداء، ويحول تنافسهم إلى رحمة تسقي جذور الدولة.
ثالثاً: الشراكة في المحن قبل المنح
إن أصدق اختبار للشراكة في الوطن هو لحظات الأزمات.
ففي الشدائد، ينكشف معدن الشركاء، والسلوك العملي هنا يتجلى في تغليب المصلحة العامة على المكاسب الضيقة.
وكما قال الأولون: "نحن جميعًا في سفينة واحدة، فمن حفر فيها خرقًا، أغرقنا جميعًا".
رابعاً: لغة الحوار لا لغة التصادم
من السلوكيات الجوهرية هنا تحويل الإعلام والخطاب العام من منبر للاتهام إلى جسر للتواصل.
الشراكة الحقيقية تقتضي أن نجلس معاً، لا أن نتحدث عن بعضنا البعض. أن ننصت للرأي الآخر، لا لنقمعه، وأن نعترف بخطأنا حين نخطئ، لنكسب احترام الجميع قبل أن نكسب النقاط السياسية.
واخيرا نقول حين ندرك أن "فرقاء السياسة" هم في النهاية أبناء هذا الوطن وشركاء فيه، وأشقاء في النسب الوطني، ندرك أن الشراكة ليست فضيلة اختيارية، بل هي ضرورة وجودية.
إن الاعتراف بأن كل منا يمسك بقطعة من فسيفساء الوطن، وأن الصورة النهائية لا تكتمل إلا بتظافر كل هذه القطع، مهما تباينت ألوانها.
إنه الموعد مع نضج سياسي يليق بعظمة الشعب وقدسية الوطن، حيث نكتب بأفعالنا، لا بأقوالنا، أننا فرقاء في الرأي، شركاء في المصير، وأبناء في حضرة الوطن.














