أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 04:26 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​حين احتاج اليمن إلى الحرب اجتمعت الجيوش.. وحين احتاج إلى الحياة أين ذهب الجميع؟

    ذكرى عراسي




    ​لن أكتب اليوم مقالًا آخر عن اليمن.
    فاليمن لم يعد بحاجة إلى مقال جديد يصف وجعه.
    لقد كتبنا حتى تعب الحبر، وصرخنا حتى بحّت الكلمات، وقلنا إن عدن تختنق، وإن الكهرباء تنطفئ، وإن الماء يشح، وإن الغاز أصبح معركة يومية، وإن الرواتب تتأخر، وإن المدارس على الأبواب، وإن المواطن لم يعد يعرف كيف ينجو من يومه إلى يومه.
    كل ذلك قيل.
    وقيل كثيرًا.
    لكن يبدو أن أحدًا لم يسمع.
    لذلك لن أستجدي هذه المرة.
    لن أقول: أنقذوا اليمن.
    سأقول فقط:
    حاسبوا أنفسكم أمام التاريخ.
    حين احتاج اليمن إلى الحرب، اجتمعت الجيوش.
    كانت الطائرات تعرف طريقها.
    وكانت الصواريخ تعرف أهدافها.
    وكان المال موجودًا.
    وكان القرار السياسي حاضرًا.
    وتشكل التحالف، وانطلقت عاصفة الحزم.
    قد تكون لكل طرف روايته ومبرراته السياسية والعسكرية، وقد تختلف مسؤوليات أطراف الحرب في حجم الدمار الذي أصاب اليمن، وهذا أمر لا يغير حقيقة واحدة:
    اليمن خرج من سنوات الحرب أكثر إنهاكًا، وأكثر فقرًا، وأكثر انقسامًا.
    وهنا السؤال الذي لا أجد له جوابًا:
    إذا كانت الحرب تحتاج إلى تحالف عربي واسع…
    فلماذا لا يحتاج إعمار اليمن إلى تحالف عربي؟
    إذا كانت الجيوش استطاعت أن تجتمع من أجل المعركة…
    فلماذا لا تجتمع من أجل الحياة؟
    إذا كانت مليارات الدولارات يمكن أن تُحشد في زمن الحرب…
    فلماذا يعجز الجميع عن حشدها لبناء الكهرباء والماء والمستشفيات والمدارس والاقتصاد؟
    أين ذهب ذلك الحماس؟
    أين ذهبت تلك القدرة؟
    أين ذهبت تلك الإرادة؟
    هل كان المطلوب أن يبقى اليمن ساحة حرب فقط؟
    اليوم، لا يحتاج اليمن إلى عاصفة أخرى.
    اليمن يحتاج إلى عاصفة إعمار.
    يحتاج إلى مشروع عربي حقيقي يعيد بناء ما تهدم.
    يحتاج إلى كهرباء لا تنطفئ.
    وماء لا ينقطع.
    وراتب يصل إلى صاحبه.
    ومستشفى يستطيع المواطن أن يدخله دون أن يفكر أولًا: كم سأدفع؟
    ومدرسة لا تخيف الأسرة تكاليفها.
    يحتاج إلى اقتصاد يُنتج، ومؤسسات تعمل، ودولة تستعيد هيبتها.
    لا إلى مزيد من البيانات.
    ولا إلى صور الاجتماعات.
    ولا إلى مؤتمرات تُغلق أبوابها بينما يفتح المواطن باب ثلاجته فلا يجد شيئًا.
    اليمني لم يعد يريد تضامنًا على الورق.
    يريد أثرًا.
    وللأشقاء في الخليج…
    هذه المرة لن أقول لكم فقط: شكرًا.
    نعم، هناك مساعدات ودعم ومشاريع ومواقف لا يمكن إنكارها.
    لكن السؤال أكبر من ذلك.
    هل كان كل هذا بحجم اليمن؟
    وهل كان بحجم الدمار؟
    وهل كان بحجم النفوذ والقدرة التي تملكونها؟
    أنتم أقرب الناس إلى اليمن.
    وتعرفون جغرافيته وتاريخه وتركيبته وأزماته.
    وتعرفون أن استقرار اليمن ليس ترفًا سياسيًا، بل جزء من أمن المنطقة كلها.
    وتعرفون أن انهيار اليمن لا يتوقف عند حدوده.
    فماذا تنتظرون؟
    هل تنتظرون أن يصبح الخراب كاملًا حتى يصبح إنقاذه مستحيلًا؟
    أم أن اليمن أصبح بالنسبة للبعض ملفًا يُدار بدل أن يكون وطنًا يُنقذ؟
    هذه ليست إساءة.
    هذه مطالبة بالموقف.
    فمن يملك القدرة على التأثير يملك مسؤولية تجاه ما يستطيع إنقاذه.
    والأشقاء الذين كانوا قادرين على الاجتماع للحرب قادرون، إذا أرادوا، على الاجتماع للسلام والبناء.
    المسألة ليست في الإمكانات.
    المسألة في الإرادة.
    ثم تعالوا إلى الحكومة اليمنية.
    وهنا لن أجامل أحدًا.
    أيها المسؤول اليمني…
    ماذا تفعل خارج اليمن؟
    عشر سنوات من الحرب مرّت.
    والمواطن بقي.
    الموظف بقي.
    والجندي بقي.
    والمدرس بقي.
    والطبيب بقي.
    والأم التي تخاف على أطفالها بقيت.
    والشاب الذي ضاعت سنوات عمره بقي.
    أما المسؤول، فكان يستطيع أن يغادر.
    وهذه ليست إدانة لكل مسؤول بعينه، ولا إنكارًا للمخاطر التي فرضتها الحرب، لكنها صرخة في وجه ظاهرة استمرت طويلًا:
    كيف تريدون إدارة وطن من خارجه؟
    كيف يشعر مسؤول بأزمة الكهرباء في عدن إذا لم يعش ليلها؟
    كيف يشعر بأزمة الماء إذا لم يقف أمام خزان فارغ؟
    كيف يعرف معنى الراتب إذا لم يكن راتبه هو الآخر معلقًا؟
    كيف يعرف معنى الغاز إذا لم تبحث أسرته عنه في الطوابير؟
    عدن هي العاصمة المؤقتة.
    وفي المحافظات الواقعة تحت سلطة الحكومة مساحات ومؤسسات يمكن العمل منها.
    وقد عادت الحكومة بالفعل إلى عقد اجتماعاتها في عدن، وأصبح مجلس الوزراء يمارس عمله من الداخل. 
    إذن السؤال اليوم ليس:
    هل تستطيعون العودة؟
    بل: لماذا لا تكون العودة هي الأصل؟
    الدولة ليست فندقًا.
    والوزارة ليست حقيبة سفر.
    والمنصب ليس امتيازًا للعيش بعيدًا عن المواطن.
    من يريد أن يحكم اليمن، فليعش في اليمن.
    ومن يريد أن ينقذ اليمن، فليسمع أنين اليمن من داخله.
    لا من قاعات الاجتماعات المكيفة.
    ولا من العواصم التي لا تنقطع فيها الكهرباء.
    ثم تأتي الأولويات.
    في الوقت الذي يختنق فيه الناس من الحر وانقطاع الخدمات، يصبح الصراع على المناصب شيئًا يبعث على الغضب.
    في الوقت الذي ينتظر فيه الموظف راتبه، يصبح السؤال عن الوزير القادم أقل أهمية من السؤال عن كيف سيعيش الموظف؟
    وفي الوقت الذي يستعد فيه أطفال اليمن للمدارس، تصبح الدولة مطالبة بأن توفر لهم مستقبلًا، لا أن تقدم لهم قائمة جديدة من الأسماء والقرارات.
    ليس عيبًا أن تُدار الدولة.
    العيب أن تُدار الأولويات خطأ.
    وليس عيبًا أن يسافر المسؤول.
    العيب أن يصبح السفر نشاطًا، بينما يبقى الوطن ينتظر العمل.
    وليس عيبًا أن يلتقي المسؤولون في الخارج.
    العيب أن يعود المواطن من كل هذه الاجتماعات بالصفر نفسه الذي ذهب به.
    أما الحوثي…
    فلا أحد يستطيع أن يطلب من اليمنيين أن يتجاهلوا مسؤوليته.
    التهديد، والتصعيد، واستمرار الحرب، وزج اليمن في صراعات أوسع من حدوده، كلها وقائع يدفع المواطن ثمنها.
    واليمن ليس ملكًا لجماعة.
    ولا لحزب.
    ولا لمجلس.
    ولا لرئيس.
    ولا لوزير.
    اليمن ملك لليمنيين.
    ومن حق اليمني أن يعيش دون أن يكون وقودًا لمشروع أحد.
    وإلى المجتمع الدولي…
    كفى تحويل اليمن إلى ملف.
    اليمن ليس ملفًا.
    اليمن إنسان.
    اليمن طفل.
    اليمن أم.
    اليمن موظف.
    اليمن مريض.
    اليمن طالب.
    اليمن وطن كامل.
    وإذا كان المجتمع الدولي يعرف حجم الأزمة، ويعرف أن ملايين اليمنيين يحتاجون إلى المساعدة، ويعرف خطر عودة التصعيد، ثم يكتفي بإدارة الأزمة سنة بعد أخرى، فالسؤال يصبح مشروعًا:
    متى ستنتقلون من إدارة الكارثة إلى إنهائها؟
    أما أنا…
    فهنا أصل إلى الجزء الذي ربما كان يجب أن أقوله منذ زمن.
    لقد تعبت.
    تعبت من الكتابة عن وطن لا يتغير فيه شيء بالسرعة التي يستحقها الناس.
    تعبت من تكرار السؤال نفسه.
    تعبت من الدفاع عن المواطن.
    تعبت من مشاهدة من يتحكمون بمصير شعب كامل وهم يتنازعون المواقع، بينما الشعب يتنازع على أبسط حقوقه.
    تعبت من السياسة حين تتحول إلى مهنة لإطالة الأزمة بدل إنهائها.
    ولذلك…
    هذا آخر مقال سياسي أكتبه.
    ليس لأنني لا أملك ما أقوله.
    بل لأنني قلت ما يكفي.
    ولأنني لا أريد أن أقضي ما تبقى من عمري أطرق أبوابًا لا تريد أن تُفتح.
    سأترك السياسة لأهل السياسة.
    وسأترك المناصب لأصحابها.
    وسأترك الصراعات لمن يجدون فيها مستقبلهم.
    أما أنا…
    فسأختار حياتي.
    سأختار أن أكتب عن الإنسان الذي لا يزال يستحق أن نكتب عنه.
    سأختار أن أعود إلى «ويبقى الأثر».
    إلى الحكايات التي لا تحتاج منصبًا كي تكون عظيمة.
    إلى الناس الذين صنعوا أثرًا دون أن يحملوا لقبًا.
    إلى الذاكرة.
    إلى الكتاب.
    إلى الأشياء التي تشبهني أكثر من هذا المستنقع السياسي الذي استنزف أعمارنا وأعصابنا.
    لكن قبل أن أغادر…
    لدي جملة أخيرة أريد أن أتركها في وجه كل من كان يستطيع أن يفعل شيئًا:
    حين احتاج اليمن إلى الحرب، اجتمعت الجيوش.
    وحين احتاج إلى الحياة… أين ذهب الجميع؟
    هذه ليست جملة عابرة.
    ستبقى سؤالًا في ذاكرة اليمن.
    وسيأتي يوم لا يسأل فيه التاريخ:
    من كان وزيرًا؟
    ومن كان رئيسًا؟
    ومن كان في الوفد؟
    ومن سافر إلى نيويورك؟
    ومن جلس في الرياض؟
    بل سيسأل سؤالًا واحدًا:
    عندما كان اليمن يغرق… ماذا فعلتم؟
    أما أنا…
    فقد قلت ما عندي.
    والباقي على من يملك القرار.
    من هذه اللحظة، سأضع قلمي في مكان آخر.
    مكان لا يحتاج إلى عاصفة حزم كي يسمع.
    ولا إلى تحالف كي يبني.
    ولا إلى منصب كي يصنع أثرًا.
    سأكتب للإنسان.
    سأكتب للذاكرة.
    سأكتب للحياة.
    وسأترك السياسة لأهلها..
    ويبقى الأثر.

المزيد من مقالات (ذكرى عراسي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال